سلسلة: فيروس كورونا المستجد سيغير وجه العالم كليّا - الاقتصاد العالمي (6|7)

الوضع الليلي الوضع المضيء

قد يمكن لأزمة كبيرة بهذا الحجم أن تعيد ترتيب المجتمعات وتغير شكلها دراماتيكياً، قد يكون هذا التغيير للأفضل أو حتى للأسوأ.

التغير في الاقتصاد العالمي
١. المزيد من القيود على الاستهلاك الجماعي

تقول سونيا شاه، مؤلفة كتاب: " الجائحة، تتبع الأمراض المعدية من الكوليرا إلى إيبولا وما بعدها، والهجرة العظيمة القادمة، جمال ورعب الحياة أثناء التغيير!"

"قد تكون أفضل السيناريوهات، فيما يتعلق بالصدمة القائمة والحالية التي يحدثها وباء فيروس كورونا المستجد هو إجبار المجتمع على قبول القيود المفروضة على ثقافة الاستهلاك الجماعي، وتحديد أسعار معقولة للمنتجات، لحماية أنفسنا من حدوث عدوى أو وباء أو حتى كوارث مستقبلية أو مناخية في المستقبل.

لعقود من الزمن، أصبحت الحاجة إلى إشباع شهواتنا ورغباتنا يجعلنا نتجرأ على التعدي على المزيد من الأراضي على هذا الكوكب لصالح أنشطتنا الصناعية، مما أجبر الكثير من الحيوانات البرية على التكدس في تلك المناطق المتبقية من مواطنها الأصلية، والتي قد تكون في كثير من الأحيان قريبة من أماكن سكن الناس، وهذا ما سمح للآلاف من الميكروبات الحيوانية من أن تصيب البشر مثل فيروس سارس وكوفيد-2، والآلاف من الأمراض الأخرى من الدخول لأجساد البشر مثل إيبولا وزيكا وغيرها والتسبب بحدوث الجوائح والأوبئة.

لذا لابد من الضرورة بمكان أن نقلص تمددنا الصناعي ولنحافظ على مواطنها الحياة البرية، بحيث تبقى الميكروبات في تلك المناطق ولا تنتقل إلى الأماكن التي يقطنها البشر.

وفي المقابل، فإننا على الأرجح سنرى تحولات أخرى، حيث سيصبح الدخل الأساسي والإجازات المرضية والعادية المدفوعة الأجر، محط نقاش داخل حكومات البلدان. وسنرى أننا في نهاية الحجر الصحي الجماعي سنطلق العنان لمشاعر الود والألفة للأحبة والأصدقاء الذين لم نرهم منذ زمن، وسنلحظ طفرة صغيرة في أعداد المواليد في تلك الفترة، وستقل الضجة التي أثيرت في البداية فيما يتعلق بالتعليم عن بعد، حيث أن جيل الشباب الذي تم إجباره على العزلة سيغير نظرته العامة ويعيد تشكيل ثقافته الخاصة بتقدير الحياة الاجتماعية".

٢. إنشاء سلاسل توريد محلية أكثر قوة

تود تاكر، مدير دراسات الحوكمة في معهد روزفلت يخبرنا عن رأيه بهذا الشأن:

" في وقت سابق من عام ٢٠١٨، تم انتقاد ترامب بسبب فرضه للرسوم الجمركية على الصلب المستورد من الخارج لأسباب تتعلق بالأمن القومي، حيث قال الرئيس ترامب في تغريدة قديمة له في ذلك الوقت: " إذا لم تملك الفولاذ، فأنت لا تملك دولة"!

ولكن بالنسبة للعديد من خبراء الاقتصاد، كانت الصين هي السبب الحقيقي وراء الاضطرابات في سوق المعادن، مما يعني أنه لا معنى من فرض الرسوم الجمركية الإضافية على حلفاء أمريكا، ولكن كانت حجة الحكومة آنذاك أنه "حتى لو فقدت أمريكا صناعة الصلب بشكل كليّ، إلا أنه مازال بإمكانها الاعتماد على الإمدادات التي تقدمها حلفاؤها!".

أما في عام ٢٠٢٠، وبعد دخول الولايات المتحدة بأزمة فيروس كورونا المستجد، فقد أخذت أمريكا بالتفكير بفرض قيود كبيرة على الحدود مع جيرانها، بما في ذلك إغلاق الموانئ وتقييد الصادرات معهم، رغم أنه لم يظهر أي تصريح يشير إلى أن فيروس كورونا المستجد ينتقل من خلال التجارة.

تخيلوا حالة الركود الاقتصادي العميق التي ستضرب الولايات المتحدة، مضافاً إليها التوترات الجيوسياسية المتزايدة بسبب قيود أمريكا على سلاسل التوريد العادية، وما يتبعه من نقص قدرة السوق المحلي على تغطية العجز! كل هذا سيجعل الحكومة غير قادرة على الرد على تلك التهديدات التي تواجهها.

قد يختلف العديد من العقلاء حول ما إذا كانت التسعيرة التي وضعها ترامب للصلب مناسبة أم لا، ومع هذا فإننا قد نشهد في السنوات المقبلة مزيدا من الدعم من قبل الديموقراطيين والجمهوريين وحتى الأكاديميين والدبلوماسيين لفكرة أن الحكومة لها دور الأعظم في عملية خلق فائض من سلاسل الامداد والتعامل معها بطريقة مرنة لتجنيب التجار الصدمات المفاجئة.

دامبيسا مويو وهو اقتصادي وكاتب، يقول في ذات السياق: " سيخلق وباء فيروس كورونا، ضغطًا كبيرًا على الشركات للموازنة بين الكفاءة والتكاليف والفوائد المكتسبة من الاستيراد العالمي، مقابل خلق قوة ومتانة لسلاسل الامداد المحلية، فتحول التوريد المحلي ليصبح أكثر قوة من شأنه أن يقلل الاعتماد على الاستيراد العالمي وخاصة في ظل هذا التصدع الحالي المتزايد، ولكن على الرغم من أن هذا سيضمن أن يحصل الناس على السلع والمنتجات التي يحتاجونها، إلا أنه سيؤدي لمزيد من التكاليف التي قد تتكبدها الشركات والمستهلكين".

٣. ستتسع فجوة عدم المساواة بشكل أكبر

تيدا سكوكبول، وهي أستاذة في الحكومة وعلم الاجتماع في جامعة هارفرد تحدثنا عن رأيها في الفقرة التالية:

"غالباً ما يركز الحديث والنقاش عن عدم المساواة في أمريكا على الفجوة المتزايدة ما بين الـ ٩٩٪ الذين هم في آخر الهرم وما بين الـ ١٪ الذين هم في أعلى الهرم. ولكن على ما يبدو أن تلك الفجوة قد تفاقمت أكثر وأكثر بعد هذه الأزمة، بل واتسعت لدى الـ ٥ الذين يتصدرون أعلى القمة وبين البقية!

في العقود الأخيرة، لوحظ أن أغنى خمسة أمريكيين قد حققوا مكاسب أكبر ودخلا أكثر مقارنة بمن هم أقل منهم في التسلسل الهرمي للدخل، وهم غالبا ما يكونون أزواجا وزوجات ذو تعليم عالي، وبصفتهم مهنيين أو مدراء ذوي رواتب عالية فإنهم يعيشون في منازل مجهزة بشبكة الإنترنت ليتمكنوا من العمل عن بعد، في حين يتوفر لأطفالهم غرف نوم خاصة بهم، ولا يوجد لديهم إخلال بجدول العمل في المنزل، وفي ظل هذه الأزمة سيحصل معظمهم على دخل ثابت، بينما تصلهم حاجاتهم الضرورية إلى باب منزلهم دون أن يضطروا للخروج!

أما الـ ٨٠٪ من الأمريكيين المتبقيين، فهم يفتقرون إلى كل تلك الرفاهية المالية، حسناً سيكون البعض منهم على ما يرام، ولكن الكثير سيعاني من فقدان وظيفته وستزداد الأعباء العائلية التي على عاتقهم، وسيكونون على الأرجح من العائلات مكونة من آباء وحيدين، أو عائلات ذات دخل واحد فقط. إنهم الأقل قدرة على العمل من المنزل وغالبا فهم يعملون في قطاع الخدمة أو التسليم، أي تلك الوظائف التي تعرضهم لخطر أكبر للإصابة بفيروس كورونا المستجد، والكثير من العائلات لن يستطيع أطفالهم التعلم من المنزل، لأن الآباء لن يتمكنوا من تعليمهم أو قد تفتقر أسرهم للوصول إلى شبكة الانترنت عالي السرعة لمساعدتهم على التعلم عن بعد".

الجزء الأول: التغيير في المجتمع
الجزء الثاني: التغيير في التقنية
الجزء الثالث: التغيير في الطب والصحة
الجزء الرابع: التغيير في الخدمات الحكومية
الجزء الخامس: التغيير في نظم الانتخابات

المصدر: politico

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.