سلسلة: فيروس كورونا المستجد سيغير وجه العالم كليّا - نمط الحياة (7|7)

الوضع الليلي الوضع المضيء

قد يمكن لأزمة كبيرة بهذا الحجم أن تعيد ترتيب المجتمعات وتغير شكلها دراماتيكياً، قد يكون هذا التغيير للأفضل أو حتى للأسوأ.

التغير في نمط الحياة
١. الشغف من أجل التغيير

تقول ماري فرانسيس بيري أستاذة الفكر الاجتماعي الأمريكي والتاريخ والدراسات الإفريقية بجامعة بنسلفانيا:

"من المحتمل أن تشهد بعض التوجهات والأنماط الحياتية السائدة بالفعل تسارعاً في استخدامها، مثل توظيف تقنية الصوت للتحكم في المداخل والأمان وما شابه، ومن المتوقع على المدى القريب أن تعمل الجامعات على إضافة دورات تعليمية ومساقات حول الأوبئة، وسيعمل العلماء على ابتكار وتطوير مشاريع بحثية لتحسين عمليات التنبؤ والعلاج والتشخيص للأوبئة.

كما يوحي لنا التاريخ بنتائج أخرى حتمية، فعلى سبيل المثال، وبعد كارثة تفشي الأنفلونزا الاسبانية ١٩١٨-١٩١٩ ونهاية الحرب العالمية الأولى سعى العديد من الأمريكيين إلى تحقيق حياه تنعم بالرفاهية، والتي كانت سهلة المنال بفضل توافر بعض وسائل الترفيه مثل السيارات والراديو. لذا في تلك الفترة شهد المجتمع الأمريكي مرحلة انفتاح وحرية وانطلاق في شتى مجالات الحياة حتى السياسية منها، فقد بدأت المرأة الأمريكية تحصل على حقوقها السياسية مثل المشاركة الانتخابية وحرية التعبير والتعليم والعمل، كما حدثت ثورة اجتماعية أسهمت في ازدهار الاقتصاد الوطني الذي استعاد قوته خلال ١٠ سنوات فقط، واستمرت هذه الحالة حتى بدأ الاستثمار المتهور بالإخلال في موازين الاقتصاد متسبباً بفترة الكساد الاقتصادي العظيم التي أضعفت الاقتصاد الأمريكي والعالمي. لذا ونظراً لهذه الأنماط التاريخية فإن بعض الخبراء والباحثين التاريخيين يحذرون من احتمالية لجوء المجتمعات إلى اتباع نهج مماثل بعد انقضاء الأزمة، حيث يسعى الإنسان دائماً بطبيعته البشرية إلى البحث عن مسببات الراحة والسعادة بعد انقضاء فترات الضغط والتوتر."

٢. قد نشهد تراجعاً ملحوظاً في عادات التغذية الجماعية مقابل تطور مهارات الطهي

بول فريدمان، أستاذ التاريخ في جامعة ييل ومؤلف كتاب "المطبخ الأمريكي: وكيف تطور على هذا النحو"، يحدثنا عن هذه الطفرة الاجتماعية التي يتنبأ بها قائلاً:

"شهد المجتمع الأمريكي في السنوات القليلة الماضية، إنفاقاً طائلاً للثروة على شراء الأطعمة الجاهزة أكثر من إنفاقهم على شراء مقومات الوجبات وإعدادها. ولكن في ظل تفشي الوباء، وإغلاق المطاعم وزيادة العزلة، أصبح الكثيرون ملزمين بتوفير غذائهم بأنفسهم بعد حرمانهم من خدمات التوصيل السريع والوجبات الجاهزة، مما يعني دخول المجتمعات التي اعتادت الرفاهية الغذائية مرحلة جديدة تلزمهم بتعلم كيفية الطهي. فقد يجد الكثيرون أنفسهم أنهم من هواة الطبخ بعد اضطرارهم للمكوث في البيت والانعزال عن العالم الخارجي لفترات طويلة. كما يمكن أن يتم تمديد فترة إغلاق المطاعم مما سيجعل الكثيرين ممن اعتادوا ارتيادها مجبرين على تغيير عاداتهم؛ ومن المحتمل أن يتناقص عدد المطاعم التي توفر أماكن جلوس وقوائم طعام في أوروبا والولايات المتحدة بهدف الحفاظ على الصحة العامة، مما يعني انخفاضاً كبيراً في أعداد تجمعات مرتادي المطاعم".

٣. عودة الحياة إلى الحدائق العامة

الكسندرا لانج، وهي ناقدة في مجال الهندسة المعمارية في شبكة المدونات الأمريكية، تكتب لنا هذه الفقرة التالية:

"غالبًا ما يعتبر الناس الحدائق أماكن يتم ارتيادها لأداء مهام معينة مثل لعب كرة القدم أو تنظيم حفلات الشواء وما شابه من الأنشطة الترفيهية التي يحددها البعض كجزء من جداولهم اليومية، والتي أصبحت في ظل هذه الأزمة أنشطة محرمة نظراً لما تشكّله من خطر على الصحة العام. مما جعلنا نكتشف فائدة لا تقل أهمية لهذه الحدائق في حياتنا، خاصة لمن يعيشون في المدن الكبرى، هذه الأهمية تكمن في كون هذه الحدائق أصبحت تشكّل المتنفس الوحيد للعائلات والأفراد الراغبين باستنشاق الهواء والاستمتاع بالطبيعة خلال اللحظات القصيرة التي يمكنهم سرقتها من الحجر الصحي والعزل المنزلي، الأمر الذي دفع الكثير من المواطنين إلى البدء بمطالبة بلدياتهم بفتح المزيد من المساحات وتحويل الشوارع المغلقة أو قليلة الاستخدام إلى حدائق عامة لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الرواد خاصة في ظل الحاجة إلى التباعد الاجتماعي الذي يجبر رواد الحدائق على خلق مسافة مكانية فيما بينهم لضمان عدم انتقال العدوى، لذا من المتوقع أن تخرج هذه المجتمعات من الجائحة الوبائية بصفة جديدة وهي تقدير المساحات الطبيعية أكثر، ليس فقط كأماكن للفعاليات الاجتماعية النشطة الرياضية، بل  كفرصة للاستمتاع بالطبيعة.

عندما كنت بصدد تأليف كتاب عن مراكز التسوق اكتشفت أن هذه الأماكن كانت تاريخياً تحقق مهمة واحدة فقط في مجتمعات الضواحي، فقد كانت تشكل مراكزاً لتجمع أفراد المجتمع في مكان واحد لتحقيق الترابط والتواصل الاجتماعي وليس من أجل التسوق فقط. أما الآن فقد أعادنا الوباء للتفكير في الوظيفة الرئيسية التي تم ابتكار الحدائق من أجلها، لذا فبعد الانتهاء من الأزمة سوف يرغب الكثيرون بزيادة الاستثمارات العامة في أماكن المفتوحة والمتاحة للتجمع تحت مختلف الظروف الجوية، حتى بعد انتهاء حاجتنا إلى التباعد الاجتماعي."

٤. نحن أمام مرحلة جديدة يتغير فيها مفهومنا للتغير

يقول ماثيو كونتينتي الزميل المقيم في معهد أميركان إنتربرايز:

" يعد "التحول النموذجي" من العبارات التي تبالغ الصحافة في استخدامها، ولكن قد تكون جائحة فيروس كورونا من الحالات النادرة التي ينطبق عليها هذا المصطلح.

لقد اعتاد المجتمع الأمريكي على نموذج محدد للتغيير، يعمل ضمن المعايير الحالية لمؤسساتنا الديمقراطية الليبرالية، والذي يغلب عليه السوق الحرة ومجتمع فردي يمارس حقه في التعبير. لكن من الجدير بالعلم أن هذا الفيروس لا يهاجم جهاز المناعة فقط. فهو مثل الحرب الأهلية والكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، لديه القدرة على هدم أسس المجتمع الحر بسبب تحرك الدولة والحكومات المحلية بسرعات متفاوتة وأحياناً متناقضة لمعالجة هذه الأزمة ذات الأبعاد العميقة. فقد دخل الاقتصاد العالمي بالفعل في المراحل الأولى من الركود الذي يمكن أن يصبح كساداً، كما تم تعطيل أجزاء كبيرة من الاقتصاد الأمريكي بالكامل. وبدأ الأمريكيون بتوديع مرحلة الرخاء والرفاهية والحركة المستمرة، بالإضافة إلى قيام الحكومة الفيدرالية باتخاذ إجراءات لا نراها إلا في أوقات الحرب. مما يعني أن مفاهيمنا الجماعية دخلت بالفعل مرحلة التغيير. وإذا استمر الخطر الذي يشكله الفيروس على الصحة الفردية وعلى القدرات الصحية العامة، فسوف نضطر إلى إعادة النظر في مفهومنا "للتغيير"، وسنبدأ بمرحلة التحول النموذج".

٥. انتهى عصر طغيان العادات

فيرجينيا هيفرنان مؤلفة كتاب "السحر والخسارة: الإنترنت كمجال فني" لديها رأي خاص في هذا الموضوع:

"لا يتأثر البشر عمومًا بالتغيرات الجذرية في عاداتهم اليومية، لكن الحلم المعاصر المتمثل في "الاستفادة المثلى" من الحياة للحصول على أعلى أداء وإنتاجية وكفاءة، عمل على خلق ثقافة جديدة تنص على أن تحقيق الحلم الأمريكي من خلال شراء منزل وضمان وظيفة براتب شهري أصبحت تشكّل عملاً بطولياً.

جوردان بيترسون، الأب الروحي لنظام تحويل العمل إلى عادة يومية، أقنع الآلاف من العمال بالالتزام بعادة الذهاب إلى العمل يومياً بهدف الوصول يوماً ما إلى حلم المنزل والاستقرار المادي، إلى أن تحولت مجتمعاتنا إلى تجمعات من الأفراد الذين يتم استغلالهم في العمل المرهق لساعات طويلة مقابل القليل من المال الذي لا يسد حاجاتهم الأساسية، لكن هذه الجائحة أيقظت المجتمعات إلى حقيقة أن كل من ينادي بتطبيق مثل هذ النظام غير العادل مثل بيترسون لم يعودوا القادة المناسبين لهذا العصر.

بدلاً من ذلك، يمكننا النظر إلى فلسفة ألبرت كامو، عندما كتب عن الطاعون، حيث يلقي باللائمة على سبب انتشار المرض في مدينة جزائرية تخيلية ومحوها من الوجود، على شيء واحد: "الثبات"، يقول كامو عن مدينة الميناء الباهتة المملة: "الحقيقة هي أن الجميع يشعرون بالملل ويكرسون وقتهم لتنمية العادات. يفتقر سكان البلدة المرتبطون بالعادة إلى الخيال. حيث يستغرقهم الأمر وقتًا طويلاً جدًا لفهم أن الموت يلاحقهم، وأنه قد حان الوقت للتوقف عن ركوب العربات والذهاب للعمل من أجل المال ولعب البولينج والذهاب إلى الأفلام.

ربما، كما هو الحال في زمن كامو، سيستغرق الأمر شبحًا مزدوجًا من الاستبداد والمرض لجعلنا نستمع إلى فطرتنا، وخيالنا، وسلوكياتنا الغريبة وليس إلى ما تمت برمجتنا عليه. فقد أصبحنا الآن بحاجة أكثر لاتباع أنماط حياتية شمولية وشجاعة في عاداتنا اليومية حتى لا نرضخ أمام الاستبداد الذي يروج له ترامب، بالإضافة لطرق التفكير العقائدية الصارمة والسلوكيات المدمرة بيئيًا وفسيولوجيًا، بما في ذلك: قيادة السيارات وتناول اللحوم واستهلاك الكهرباء".

وقد تشهد هذه المرحلة التي يسيطر عليها الوباء تحوّلا في السلوك الجماعي يمتاز بالالتزام برؤية عالمية متجذرة في إدراكنا بأننا لا نملك الكثير من الوقت على هذا الكوكب وأننا نقترب من يوم الهلاك العظيم وأننا يجب أن نبدأ بالسعي الجاد من أجل تحقيق السلام والتعايش الهادف الذي لن يتم تحقيقه من خلال ساعات العمل الطويلة والمملة بل من خلال القضاء على العادات الرتيبة والذي من شأنه أن يفجر روح الخيال بداخلنا، في هذه الحالة فقط قد نحصل على فرصتنا الثانية لتحقيق السعادة البشرية.

الجزء الأول: التغيير في المجتمع
الجزء الثاني: التغيير في التقنية
الجزء الثالث: التغيير في الطب والصحة
الجزء الرابع: التغيير في الخدمات الحكومية
الجزء الخامس: التغيير في نظم الانتخابات
الجزء السادس: التغيير في الاقتصاد العالمي

المصدر: politico

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.