العالم ما بعد كوفيد 19: رقمنة ونمو واستدامة

الوضع الليلي الوضع المضيء

الجزء الأول: التعليم والعمل

في التسعينات من القرن الماضي ومع بداية ظهور الانترنت برزت خدمات مميزة، مثل مايكروسوفت ماسنجر و IRC، كان الماسنجر وسيلة التواصل بين من باعدتهم الظروف طلبا للرزق أو العلم، في زمن لم توجد فيه الأجهزة الجوالة بعد، فضلا عن الأجهزة الذكية. فكان الماسنجر هو وسيلة تواصل المبتعث مع أهله وأصدقائه، ووسيلة تواصل من يعملون سويا على مبادرة أو فكرة جديدة ولكن تفرقهم الجغرافيا، وإن كانت غالبا أعمال تعاونية تطوعية أكثر من مجال الأعمال الربحية أو الحكومية التي لم تتبناها في حينه لعدم الإيمان بها. وكانت غالبا اجتماعات فردية ووسيلة تواصل مفتوحة على مدار الساعة وليست اجتماعات محددة بموعد مسبق. وهذا حال التقنيات الحديثة التي عادة تظهر دون معرفة الاستخدام الأفضل لها ولا إمكانيات تأثيرها.

وفي الابتعاث أيضا تعلم المبتعثون أن يكونوا صناعا Makers، فتعلموا جميع المهارات بما فيها تركيب الموكيت والمكيفات في دول تكلفة العامل أغلى بمراحل من تكلفة طبيب أو باحث متخصص. فكان زيارة أماكن مثل Home Depot من الضروريات والمتع. يحس بعدها الطالب باستقلاليته وثقة زائدة في النفس وإيمانا بأن ما يملكه من مهارات وإمكانيات وقدرة على التعلم أكبر مما كان يتصور. وهذا هو حال التحديات والمحن، تكشف عما لدينا من قوى خفية.

نمر هذه الأيام بتحدي غير مسبوق وافق إمكانيات وتحولا رقميا فاق التوقعات. ولذا بدأنا نوظف كل إمكانياتنا الخفية ونتبنى كل تقنياتنا التي كنا مترددين في قبولها والايمان بها. فماذا سيحدث بعد زوال كوفيد 19.

التعليم

قبل عدة سنوات عملت أبل على أبحاث لمدة ثلاث سنوات لتطوير كتب بمحتوى تفاعلي واختبرت تطبيقه في المدارس وعندما بلغ أثره زيادة 18% في التحصيل العلمي أطلقت منتجها في التعليم.  وكان كتاب الحياة على الأرض هو كتابها الأول الذي ظهر للناس. لكن لم يتم تبنيه على نطاق واسع لاختلافه وعدم جاهزية المعلمين لاستخدامه فضلا عن نقص المحتوى والميزانيات اللازمة لتدريب المعملين وتوفير الأجهزة.

حسب إحصائية اليونسكو الأخيرة فإن أكثر من 109 دولة أغلقت مدراسها وأن عدد الطلاب الذين تحولوا للتعلم من البيت تجاوز 861 مليون. أي قرابة نصف طلاب العالم. في هذه المرحلة كانت هناك الجهات التعليمية والدول المستعدة للتحول السريع لجاهزية بنيتها التحتية ولتبنيها هذا النوع من التعليم مسبقا. وهناك الجهات الأقل حظا التي لم تكن جاهزة على الإطلاق ليس في الجانب التقني وحسب بل أيضا في المحتوى.

اكتشف العالم أن التعليم من المنزل ممكن وأن بيوتنا يمكن أن تتحول لمدراس وأن هذا النوع من التعليم له فوائده الكبيرة التي لا تتوفر بالتعليم التقليدي مع التسليم بأن هناك ميزات سيفقدها المتعلم من البيت. ولكن أليس لها من حلول؟

التعليم بعد كورونا

 سيزدهر التعليم الالكتروني وربما يصبح هو الأساس في بعض الدول، وكتعليم مساند في دول أخرى لما له من أثر في زيادة التحصيل العلمي، وتوفير التعليم المميز لشريحة أكبر، وفي قياس الأثر والجودة بشكل مباشر ولحظي. وسنتمكن أخيرا من أن نوفر لكل طالب نوعية ومستوى التعليم الذي يناسبه، وستصبح الأسرة جزء فاعلا في العملية التعليمية وليس جزء هامًا فحسب.

ستنمو الشركات العاملة في مجال التعليم الالكتروني، وسيصبح الابتعاث ليس حصرا على الدراسات العليا بل حتى ابتعاث الكتروني من مراحل الدراسة الأولى حسب تقدم دول وتخلف أخرى في توفير المحتوى المميز. سنشهد انخفاضا في الكتب الورقية مما يعزز حماية البيئة وزيادة في الكتب الالكترونية ومبيعات الأجهزة اللوحية وتطويرا لتقنيات الواقع المعزز والافتراضي.

سيزدهر التعليم الإلكتروني لإنه التعليم الذي نحتاجه لمواجهة تحديات مثل الكورونا وغيره.

Image

الرسم البياني من موقع اليونسكو

العمل

منذ فترة والدراسات المختلفة تتحدث عن التفضيل الجديد للعمل المستقل، ونتيجة تقدم سن بعض الشعوب وتطبيق شعوب أخرى سياسات الحد من النسل ولظهور الثورة الصناعية الرابعة اضطرت كثير من الشركات والعديد من الدول إلى تبني العمل عن بعد للاستفادة من الكفاءات الموجودة في دول أخرى، أحيانا لتوفير التكلفة ولكن الغالب لعدم توفر الكفاءات المطلوبة كما وكيفًا في بلادهم.

لكن كثيرا من الشركات الكبرى وغالب القطاع الحكومي كان مقاوما لهذا الأمر. وفجأة بدأت الدول تباعًا تغلق مكاتب وزاراتها وتطلب من موظفيها العمل من البيت. بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون إجازة لأن الحاجة للعمل هذه الفترة للتعامل مع خطورة تفشي المرض ونقص الإمدادات الطبية والغذائية والتعامل مع انهيارات أسواق الأسهم يحتم العمل لتجنب كارثة اقتصادية وأمنية وصحية.

لسنوات وموضوع مستقبل العمل يلاقي اهتمامًا واسعًا حول العالم، فمنتدى الاقتصاد العالم (World Economic Forum) قام بنشر تقارير عن مستقبل العمل وكذلك منظمة  التعاون الاقتصادي والتنمية  ((OECD. أما شركة ماكينزي (Mckinsey) فقد جعلته أحد المحاور الرئيسة لاستشاراتها التي تقدمها للحكومات. أجمعت هذه الجهات على التحولات المتزايدة سواء في المهارة المطلوبة في العمل، حيث اتجهت بشكل كبير لتخصصات حديثة مثل تحليل البيانات وإنترنت الأشياء وغيرها، أو التوجه المتسارع للعمل عن بعد سواء عمل الموظفين من منازلهم في المينة ذاتها، أو في مكاتب عمل في دول أخرى Offshore . بالإضافة إلى تحول عقود العمل من الساعات إلى الإنتاجية Deliverables.

مع الكورونا لم يعد هناك مجال سوى العمل من المنزل، مما يعني تفعيل التقنيات المساعدة في ذلك بالإضافة لعدم الاهتمام بساعات العمل بقدر ما هو اهتمام بإنجاز المهام وبقاء وتيرة العمل كما هي عليه.

هذه التجربة أتاحت لأرباب العمل اكتشاف أن هذا النوع من العمل ممكنا، وأن ذلك يعني توفيرا في التكاليف وزيادة في الانتاجية ورضا أعلى للموظفين وتوفير للهدر في التنقل وما يتبعه من ازدحام للشوارع وتلوث للبيئة ومصاريف وقود لا حاجة لها.

العمل بعد الكورونا

ستتحول كثير من الشركات العمل عن بعد بشكل كامل أو جزئي. وسيصبح مقبولا وربما مفضلا بعد أن كان محرما. حتى الموظفين الذين كانوا مترددين في تبنيه تبين لهم إمكانيته وفوائده، مما سيدفعهم للمطالبة به وربما تبنيه كأسلوب حياة، كما يدعوا لذلك دائما سفر عياد و عبدالرحمن الخميس.

وهذا بدوره سيكون له أثره الكبير على الاقتصاد، حيث أن المهارة ستصبح هي المعيار الأهم للتوظيف. وسيصبح موقعك الجغرافي شيئا ثانويا، فالعالم الافتراضي دولة واحدة دون حدود ولا قيود، ولذا ستتساوى الفرص بين مواطني البلد مقر الشركة الرئيس ومواطني الدول الأخرى. ولذا ستزدهر شركات التوظيف العابرة للقارات وستصبح من مهامها توفير البنية التحتية والاجراءات القانونية لإنشاء هذه الكيانات في الدول الأخرى.

كما ستزدهر التقنيات المساعدة لتواصل فرق العمل عن بعد مثل برامج تنظيم المهام وبرامج التواصل مثل سلاك ومايكروسوفت تيمز وبرامج الاجتماعات المرئية الالكترونية (video conferencing) مثل زووم  و ويب اكس وغيرها. وستتفوق التطبيقات التي تستطيع التكامل مع البرامج الأخرى لخدمة العملاء وإدارات الموارد البشرية، وستزدهر مواقع العمل المستقل مثل: Upwork ومستقل وبحر وغيرها، مع حاجتها لتطوير تجربة العميل وآليات التواصل والدفع.

الإنسانية

تعلمنا أن ارتباطنا بربنا لا يحتاج إلى مكان ولا وسيط. وأن هناك قوة تفوق قوتنا وتستطيع أن تغلبنا سريعا دون أن نراها.

وأننا غالبا سنقف متفرجين عاجزين. وأن أقرب الناس لنا قد لا نستطيع مصافحته فضلا عن حمايته.  وأننا ضعفاء وإن امتلكنا المال والقوى العسكرية بل وحتى الأسلحة النووية.

وأننا أبناء آدم وحواء وإن تنوعت أعراقنا ولغاتنا، وأننا فعلا قرية صغيرة . وأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا. وأن كثيرا من خلافاتنا لا معنى لها، وأن حدودنا الجغرافية مفتوحة وإن أغلقناها ، ومغلقة وإن فتحناها.

وأن مشاكل الإنسانية أكبر من الشخصنة وخلافاتنا الشخصية. وأن آرائنا تحتمل الصواب والخطأ. فلتسعنا انسانيتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.