المنحى الذي سار عليه تطور اقتصاد الوظيفة المؤقتة

الوضع الليلي الوضع المضيء
لطالما كان مجال الوظيفة المؤقتة متواجدًا عبر التاريخ، ولكن التطورات التي طرأت على هذا المجال أكبر من أن يتم حصر تشخيصها ودراستها من منظور واحد فحسب.

من كتابة ماورين هارنغتون

"الوظيفة المؤقتة"، حتماً بأنكم قد سمعتم بهذه العبارة من ذي قبل في جلسات السمر بعد ساعات العمل الطِوال أو على مواقع التوظيف أو تَحاور بشأنها النُقَّادٌ بشكلٍ مُستفيضٍ. قد يكون لهذه العبارة تسميات جديدة ولكنها موجودة منذ الأزل مع تواجد البشر على وجه المعمورة منذ آلاف السنين لدى "تأديتهم الخدمات" لبعضهم البعض. ما يحلو لنا اصطلاحه بالوظائف المؤقتة كنا نشير إليه في السابق على أنه وظيفة بدوام جزئي، وظيفة بنظام العمل الحر، أو الوظيفة الاستشارية.

الوظائف المؤقتة  قد تكون بدوام كامل أو دوام جزئي، أو قد تكون مشاريعاً تُنَفَّذْ لمرةٍ واحدةٍ. هنالك العديد من الوظائف المؤقتة على أرفع المستويات المهنية وفي المجالات ذات الحد الأدنى من الأجور "الخدمات المقدمة حسب الطلب". يتسم هذا المجال جوهرياً بتعاقد العاملين فيه بشكلٍ مستقلٍ من دون ارتباطهم بعقودٍ دائمةٍ حال نظرائهم من الموظفين المُتَمَتِّعين بالمزايا الوظيفية أو ما شابه. إن أعداد المشتغلين في اقتصاد الوظيفة المؤقتة في تصاعدٍ مستمرٍ، وهذا الأمر من شأنه أن يُؤدي لخلق سوقٍ نابضةٍ بالحياة لعددٍ كبيرٍ من العاملين في مجال العمل مقابل التوظيف.

ما هي نسبة القوى العاملة بنظام الوظيفة المؤقتة؟

تبلغ تلك النسبة حوالي ٣٠٪، وذلك وفقاً لمشروع  مركز البيانات المعني باقتصاد الوظيفة المؤقتة، وهو مشروع مشترك صادر عن معهد العلاقات العمالية في جامعة كورنيل ومعهد آسبن. إلا أن ديفيد جولي، المستشار لدى شركة إرنست آند يونغ للاستشارات المهنية، قد  أوضح بأنه ما لا يزيد عن نسبة الـــ ١٠٪ من هؤلاء يعتمدون على الوظائف المؤقتة لتأمين كافة مداخيلهم المالية.

في السابق كان يشار إلى عبارة "الوظيفة المؤقتة" على أنها أداء عروض موسيقية يقوم بها العازفون المَهَرَة. إلا أن هذه العبارة أخذ معناها في الاتساع ليشمل مجالاتٍ ونشاطاتٍ أخرى. كما أصبحت الوظائف المؤقتة سوقاً واسعة الانتشار تسعى إليها كل الكيانات الباحثة عن الكفاءات المهنية والعاملين الباحثين عن فرص عمل بديلة. 

إن الحرية والمرونة في ساعات العمل لمجال الوظيفة المؤقتة هي سبب جوهري لسعي البعض وراء هذا المجال ولعدم رغبتهم في تحمل المضايقات والممارسات الخاطئة لزملاء الوظيفة الدائمة. كما أن أرباب العمل أصبحوا يميلون لتعيين ذوي الكفاءات المهنية لمدد محددة ولرغبتهم في توفير مصاريف الرواتب والبدلات والنثريات ... إلى آخره. علاوة على ذلك، فإن منصات العمل والتوظيف في تزايد منقطع النظير للربط ما بين رواد الأعمال والشركات من جهة، والعمالة ذات المهارات الاختصاصية من جهة أخرى. بعضاً من تلك المنصات تمتاز بتخصصها في التعريف عن العمال ذوي مهنٍ محددةٍ على غرار المحامين، والأطباء، وعمال المطاعم، وغيرهم من الفنيين المهرة في مجالات أخرى.

وطالما أن أعداد المشتغلين في مجال العمل الحر في تصاعدٍ مستمرٍ، فإن أرباب العمل أصبحوا أكثر ميلاً لتعيين تلك العمالة المؤقتة.  هذا وقد صار اقتصاد الوظيفة المؤقتة الخيار الذي لا غنى عنه لرواد الأعمال للاستعانة بأصحاب الكفاءات المهنية التي يحتاجونها في مشاريعهم: " صار بمقدور أي شركة ناشئة تحصيل ذوي المهارات المهنية عند الحاجة إليهم، والاستعانة بالمصادر الخارجية لإنجاز المهام اليومية والمستمرة مثل مسيرات الرواتب وغيرها، وبهذا الشكل تحافظ هذه الشركة على سلاسة وسرعة إنجاز مشاريعها".    

أما بالنسبة للمشتغلين بالوظائف لمرة واحدة، فإنه من الممكن تحسين عملية التوفيق ما بين الحياة المهنية والحياة الخاصة، أو أن هذا الأمر سيأخذ منحاً سلبياً إذا لم يتسنى للعامل تحقيق ذلك التوافق. إن المدخول المادي الناتج عن العمل الحر سيكون هائلاً إن استطعتم العثور على مهام العمل التي ترغبون فيها، وإلا فسيكون بالكاد لكم أن تُحَصِّلُوا أدنى مصاريف كفايتكم اليومية. وقد ورد في دراسة مشتركة صادرة عن اتحاد مشتغلي الأعمال الحرة ومنصة (أب وورك) للأعمال الحرة بأن ٦٣٪ من مشتغلي الأعمال الحرة كانوا قد اضطروا إلى سحب الأموال من مدخراتهم باستمرار، أما الآخرون فقد كان بمقدورهم تحصيل ما يكفيهم من العوائد المالية ليعيشوا حياةً كريمةً عبر تنفيذ الأعمال المُجَزَّأَة. 

وتقول المحاسبة في كولورادو سبرينغز، ماري إليزابيث إموري "يتوجب عليكم العمل بجد للعثور على الوظائف المؤقتة، وقد أصبح بإمكاني قضاء المزيد من الوقت مع أطفالي لتمتعي بساعات عمل مرنة وهذا الأمر يبعث على الشعور بالراحة على الرغم من عبء البحث المتواصل عن المشاريع. كما أني لست مُضطرةً للعمل إلى جانب شخص بغيض لا يكف عن الثرثرة وإضاعة الوقت".

كما يرى الخبراء بأن النجاح أو الفشل في  مجال الوظيفة المؤقتة يعتمد بالأساس على الأفراد المشتغلين في هذا المجال ومدى تَحَمُّلِهِم للضغوطات المُتَرافقة معه. وتقول الباحثة، ليندزي كايمرون، بأن العاملين في مجال الوظيفة المؤقتة سيشعرون إما بالتمكين/بالتقدير لجهودهم، أو على العكس بالاستغلال والغبن للتعب المبذول من طرفهم:

حيث قالت "إن كنت مهاجراً من الجيل الأول، وترى أنه بمقدورك الصعود في السلم الاجتماعي بعد خوضك لتجارب العمل ذات الأجر المتدني، من تلك التي لا تستوجبُ مهاراتٍ فائقةٍ، فعلى الأغلب أنك سَتَشْعُر بالتمكين/بالتقدير".  "أما بالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بالاستغلال والغبن هم هؤلاء الذين تعرضوا للتسريح من وظائفهم في مجالات التصنيع والرعاية، وأرادوا أن يخرجوا من دوامة تدني مستوياتهم الاجتماعية".

ويرى العديد من الأساتذة الجامعيين والخبراء والاستشاريين  بأن الاتجاه نحو العمل في مجال الوظيفة المؤقتة له مُستقبل مُشرق، ويتوقع هؤلاء نمو هذا المجال ليشمل مختلف المجالات المهنية وانتشاره لدى العديد من الفئات العُمُرية. ومن أبرز الفئات العمرية الراغبة بالعمل في إطار اقتصاد الوظيفة المؤقتة هي فئة كبار السن.  وتقول أنجيلا هيث وهي مؤلفة كتاب (دو ذا هسل ويذاوت ذا هاسل): "أن اقتصاد الوظيفة المؤقتة سَتَسْتَحْوِذُ عليه فئةُ كبارِ السِّن".

فالبعض من كبار السن يعملون في مجال الوظيفة المؤقتة لتدني رواتبهم التقاعدية التي لا تكفيهم للتمتع بحياة كريمة، والبعض الآخر يهوى ملء وقته بالعمل فحسب، وتبقى الفئة الأخيرة وهي هؤلاء الذين تَبْحَثُ عنهم كُبرى الشركات للاستفادة من خبرتهم ودرايتهم المهنية ذات الاختصاص المُعَيَّن. وتعود لتُذَكِرنا السيدة هيث بأن اقتصاد الوظيفة المؤقتة يغطي مجالات عمل أضخم وأكثر اتساعاً من مجال العمل كسائق مأجور لدى شركة أوبر. "يوجدُ هنالك سلسلةٌ متواصلةٌ من منصات العمل بنظام الوظيفة المؤقتة، بعضها يُنْظَرُ إليها على من كبرى الشركات في هذه الدولة".   

المصدر: Fast Company

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.