مستقبل الوظائف في المجال التقني! مشرق أم غامض؟!

الوضع الليلي الوضع المضيء

كيف يمكن لرواد التقنية إعادة تصور العمل في مجال التقنية، وارتباطه بالقوى العاملة ومكان العمل؟

يبدو أنه عصر التحولات، ويبدو أننا سنلحظ العديد من التغييرات في مستقبل العمل في مجال التقنية، وما يدلل على ذلك، تلك التغييرات البسيطة ولكنها واضحة في نوعية الوظائف التقنية وحجم الأيدي العاملة وطبيعة أماكن العمل، وهذا ما يجعلنا كمهتمين في التقنية، أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: كيف يمكن لرواد الأعمال والتقنية العمل والتخطيط والتعاون سويا من أجل نجاح رحلة التحوّل هذه؟
هذا التطور الحتمي الذي تشهده الأعمال الاستراتيجية والتوجهات السائدة وحتى الاضطرابات والمعيقات، يقود إلى تحولات فعّالة في طريقة عمل مؤسسات تقنية المعلومات. في تقريرنا هذا سنسعى للإجابة عن الأسئلة الأساسية التي تدور حول مستقبل العمل في التقنية:

  • كيف يمكن تسخير التقنية داخل المؤسسات واستغلالها من أجل إعادة تصميم نتائج أعمالها الحالية لتتجاوز مفاهيم الزيادة السريعة في الانتاجية وكفاءة التكاليف وتركز على مفاهيم القيمة والمعنى والتأثير؟
  • كيف ستختلف القوى العاملة التقنية بين اليوم والغد؟ وكيف ستتغير الوظائف والأدوار؟ وما هي المهارات والقدرات اللازمة المرافقة لهذه التغييرات؟
  • هل يدعم مكان العمل الحالي التطورات المتواصلة في مجال العمل التقني والقوى العاملة اللازمة لإتمام الأعمال؟ هل هناك حاجة لإعادة التصميم ليتناسب مع هذه التطورات التقنية؟

استناداً إلى الاستطلاعات والمقابلات الرسمية مع العشرات من رواد الأعمال والتقنية، سنسلط الضوء في هذا التقرير المفصل عن مستقبل الأعمال في مجال التقنية – نقصد بهذا المصطلح (العمل ذاته)، الأشخاص الذين يقومون بأداء هذه الأعمال (القوى العاملة)، والموقع المادي الذي ينجز فيه العمل (مكان العمل).

كما سنركز في حديثنا على التغيرات في هذه الأبعاد الثلاثة، التي بدأت بالفعل وستستمر في الظهور خلال السنوات الثلاثة المقبلة، والتي من المرجح أيضاً أن تستمر في النمو مع مرور الوقت. أخيراً، سيوفر التقرير بعض النصائح والتوصيات العملية للقادة في قطاع الأعمال حول كيفية وضع الإستراتيجيات والتصاميم والتعاون فيما بينهم لاجتياز هذه الرحلة الجريئة.

إعادة تصور دور التقنية

يعمل المسؤولون التنفيذيون في قطاع الأعمال والتقنية على إعادة تصور كيف يمكن للتقنية أن تضيف قيمة مهنية وأفضلية تنافسية داخل المؤسسات. يقول ساتيش ألاباتي المدير التقني التنفيذي لخدمات الزبائن الإعلامية والترفيهية في أي تي أند تي (AT &T): "نظراً للتطورات التقنية في عصرنا الحالي، فإن دور التقنية نفسه في الشركة قد تغير خلال السنوات الأخيرة، حيث تحول من مهمة إدارة الأعمال ليصبح مركز الأعمال نفسه ". كما أن للابتكارات والاضطرابات التي تحدث في مجال الأعمال دورٌ مهم في تسريع عجلة التغيير في نطاق العمل وسرعة إنجازه ومستوى العمل التقني.

يقول أحد رواد التقنية: " تأتي الاضطرابات والتحديات التي تواجه المجال التقني بأشكال مختلفة – بداية من وجود من المنافسين الذين يستخدمون التقنية على نطاق واسع وانتهاء بظهور الإنترنت الصناعي للأشياء. ونتيجةً لذلك، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى تطويع التقنيات المتطورة في كل الأعمال التي نقوم بها."

على الرغم من التقارب بين التقنية واستراتيجيات العمل، إلا أن استطلاعات ديلويت العالمية (Deloitte) لعام ٢٠١٨ تشير إلى أن ٢٩٪ فقط من رواد الأعمال المشاركين في الاستطلاع أقروا على أنه يجب على المؤسسات التقنية وقادتها أن يشاركوا بشكل فعّال في تطوير استراتيجيات أعمال المؤسسة.

في ذات الوقت نلحظ أن العديد من المدراء التقنيين التنفيذيين وغيرهم من قادة التقنية لا يزالون يعانون من أزمة قبول تقنية المعلومات كمحرك للأعمال بدلاً من إدارتها وتسييرها.

أربعة تحولات رئيسية في دور التقنية

حددت أبحاث ديلويت (Deloitte) المستمرة التي تتحدث عن إعادة تصور دور التقنية أربعة نقلات نوعية مهمة أسهمت في تغير دور التقنية في المنظمات العاملة في هذا المجال.

  1. من عمال موثوق بهم إلى رجال أعمال. في الماضي كانت الوظيفة الأساسية للفرق العاملة في التقنية تعنى بالحفاظ على التميز التشغيلي، ولكن نظراً لتشابك استراتيجيات الأعمال والتقنية في الوقت الحالي، فقد أصبح لزاماً على العمل التقني أن يتطور للتركيز على التعاون جنباً إلى جنب مع وظائف العمل بهدف خلق القيمة.
    أضف إلى هذا، وبسبب تزايد الطلب على التنفيذ السريع والفعّال من أصحاب الخبرات والقدرات ذات المجهود المنخفضة، ومع ضرورة الحفاظ على نفس المستوى للحصول على أفضل التجارب بالنسبة للمستهلك على الإنترنت، فقد أصبح ضرورياً أن تنتقل العديد من فرق التقنية من طرق التشغيل التقليدية التي تركز على المشاريع والعمليات، إلى تلك التي تتمحور حول المنتج والعميل والنتائج بشكل أكبر، والتي تعطي الأولوية القصوى للتعاون بين الوظائف المتعددة، وتسريع (قيمة وقت العميل) واحتياجاته الأخرى ونتائج الأعمال.
  2. من تقديم الخدمة لتقديم القيمة. أصبحت نماذج الأتمتة والأنظمة السحابية نظراً لطبيعتها كنماذج توفر الخدمات التقنية، تشكّل قواعد أساسية لتنظيم وتسريع تقديم الخدمات التي تعتمد على تقنية المعلومات، وتغيير الطريقة التي تعمل بها فرق العمل في المجال التقني والأعمال لتتعاون فيما بينها من أجل خلق القيمة لمنتجاتها وخدماتها. إضافة إلى أنها تقضي على الطرق التقليدية والتشغيلية لإنجاز الاعمال ونقل المهمات لتنجزها الآلات ومقدمي الخدمات.
    ومنذ تحوّل دور فرق التقنية من عمال موثوق بهم إلى رجال أعمال، فإن أهميتها باتت تكمن في القيمة التي يقدمونها للشركة بدلاً من الخدمات.
  3. من مركز التكلفة إلى توليد الإيرادات. في عالم تقديم الخدمات، يتم النظر إلى تقنية المعلومات عادةً على أنها التكلفة، حيث يتم مطالبة المدراء التقنيين الفنيين بتقديم الخدمات بأقل تكلفة ممكنة. على سبيل المثال، يستثمر قسم تقنية المعلومات في المتوسط ما يقارب (٥٦٪) من ميزانية التقنية للحفاظ على العمليات التجارية بينما ينفق ١٨٪ فقط من أجل تطوير قدرات تجارية جديدة.

 تشير المعطيات إلى أنه إذا كانت فرق التقنية ملزمة بقيادة الابتكار مع كونهم أنفسهم أحد عوامل التغيير، فإن خفض التكاليف يجب أن يتراجع لصالح الاستثمار الاستراتيجي لزيادة الإيرادات أو النمو أو أسعار الأسهم أو أي من معايير القياس الأخرى الخاصة بالأعمال وقيم المساهمين.

مثال على ذلك ما قام به المدراء التقنيين التنفيذيين في المنظمات الرقمية الرائدة - التي لديها استراتيجيات رقمية محددة جيداً وإدارة تقنية معلومات قيّمة – من تخصيص أقل من نصف ميزانياتها (٤٧٪ للعمليات التجارية) و(٢٦٪ للابتكار). أما في السنوات الثلاث وحتى الخمسة القادمة، فإنهم يخططون لخفض مخصصات العمليات إلى ثلث ميزانيتهم السنوية مع زيادة تمويل الابتكار بنسبة ٣٨٪.

حيث أن وظيفة التقنية، عندما تندمج استراتيجيات التقنية والأعمال، تصبح أداةً مشاركة لتحفيز الابتكار وخلق العائد من خلال إيرادات استثمارات التقنية. يقول جوآن أولسوفسكي، مدير المبيعات في سيلزفورس (Salesforce): "تحتاج تقنية المعلومات إلى رسم خطط للابتكار، حيث يتعين على الشركة الشعور بأن تقنية المعلومات هي عامل التغيير الذي يحرك الأعمال نحو الأفضل في المستقبل".

4. من الأمن السيبراني (أمن الفضاء الإلكتروني) إلى المخاطرة والمرونة. يركز رواد التقنية على الأمن السيبراني عندما يتعلق الأمر بالمخاطر. وعلى الرغم من أن الأمن الإلكتروني سيظل ذا دور حاسم دائماً، إلا أن الروّاد يجب أن يكونوا ملزمين أيضاً بالتركيز على مرونة الأعمال والمخاطر والمعيقات الخفية في ظل وجود استراتيجية مشتركة لتقنية الأعمال والمخاطر التي يمتد نطاقها من بيئات تقنية المعلومات التقليدية إلى المصانع ومساحات العمل الأخرى والمنتجات وحتى مواقع العملاء.

نظراً لأن العملاء المرتبطين بالوسائل الرقمية سيتمتعون الآن بالوصول إلى البيانات من خلال مجموعة ضخمة من القنوات التي تحتاج جميعها إلى أن تكون آمنة ومرنة، لذا ينبغي أن يشمل ذلك دمج الأمان في تصميم المنتج وتطويره.

القوى المؤثرة في تشكيل مستقبل العمل في مجال التقنية

إن انتقال التقنية إلى دور جديد داخل المؤسسة يتطلب تغييراً في طريقة العمل. مما استوجب تقارب ثلاث قوى لإعادة تشكيل مستقبل العمل التقني:

  1. انتشار التقنيات التجديدية والتي تعمل باستمرار على إعادة تشكيل الشركات والصناعات والأسواق.
  2. تحول دور التقنية في السنوات الماضية إلى دور المحفز لاستراتيجيات الأعمال والتغيرات، مما أسهم في تغيير التوقعات وتقديم الأدوات التقنية لتحسين العمل، وتقليل الحدود الفاصلة بين وظائف الأعمال والتقنية.
  3. التوجهات الديموغرافية العالمية السائدة والقوى العاملة، مثل العمال الرئيسيين أو العمال الاحتياط، والقوى العاملة متعددة الأجيال، والمزيد من المواهب المتنوعة، وأسواق المواهب العالمية أصبح لها دور كبير في تغيير سوق العمل بشكل عام والقوى العاملة في المجال التقني بشكل خاص.

يهدف العديد من المدراء التقنيين التنفيذيين الأذكياء وقادة التقنية إلى تشكيل مستقبل العمل في التقنية لمواجهة هذه التحولات الجذرية، وليتم ذلك عليهم الاستفادة من هذه القوى وتحقيق التوازن بين مطالبهم المتنافسة مع الاستمرار في الحفاظ على التفوق التشغيلي وتلبية تطلعات عملاء العمل، ودفع عجلة الابتكار والتطوير والتحول الرقمي.

استحداث تخصصات تقنية حديثة من تلك التقليدية!

يدرك العديد من روّاد التقنية أن هذه التحولات أصبحت بالفعل أمراً واقعاً لا مفر منه، لكنهم قد يعجزون عن فهم آثارها الأساسية على العمل التقني والقوى العاملة وأماكن العمل اللازمة بدورها لتوفيرها. ونتيجةً لذلك، يضعون جهوداً غير منظمة من أجل التطور في مستقبل أعمالهم.
هذه التغييرات جعلت الطرق التقنية التقليدية لإنجاز الأعمال غير محتملة. لذا ينبغي على رواد الأعمال إعادة تعريف العمل التقني بما يتجاوز مصطلح الآي تي (IT) وتغيير تخصصات تقنية المعلومات التقليدية من أجل استحداث تخصصات تقنية تركز على خلق القيمة (الشكل 1).

تشير تقنية المعلومات إلى مؤسسة التقنية التاريخية وتخصصاتها في تقنية المعلومات الداخلية. أما في المستقبل، فسينتشر العمل التقني في جميع أنحاء المؤسسة وقد لا يكون خاضعاً للسيطرة المباشرة من قبل مدير المعلومات. وبالتالي يمكن لروّاد الأعمال والتقنية على حد سواء الاستفادة من السلاسة التي يطرحها مبدأ اعتبار التقنية مفهوماً شمولياً كلياً في كل ما يتعلق بالمؤسسة.

هذا التطور يصل إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث نلاحظ أن التخصصات التقنية الجديدة باتت تمثل أكثر من مجرد طريقة عمل، بل يمتد ذلك إلى ما وراء حدود المنظمة لتشمل مجالات الوظائف والأعمال، تمثل تخصصات التقنية الجديدة أكثر من اعتبارها مجرد طريقة مختلفة للعمل.
إجمالاً، تحدد هذه التخصصات نوعاً جديداً من الأعمال يمتد إلى ما وراء حدود مؤسسة التقنية ليشمل مجالات العمل والوظيفة حيث تحدث تحولات جذرية بالعمل التقني والقوى العاملة المرتبطة به والموقع المادي الذي يتم فيه العمل، أهم هذه التحولات نذكر منها ما يلي:

  • الابتكار المشترك للأعمال. مما يسهم في تحويل دور التقنية من كونها وظيفة ثانوية داعمة لتصبح صاحبة الدور الرئيسي. حيث يسهم التعاون غير المسبوق مع الأعمال الأخرى أن يسهم في ابتكار وخلق منتجات وخدمات وخبرات تزيد عجلة النمو وترفع الإيرادات وترفع من قيمة المزايا التنافسية للمنظمة.
  • تقدير وقياس القيمة. قد يتطلب مستقبل العمل في مجال التقنية العودة إلى معايير إدارة وقياس أداء تقنية المعلومات التقليدية للتركيز على تحقيق القيمة وتقديرها. كما يمكن لأهداف العمل المحددة أن تعطي توضيحا كاملاً بشأن أهداف ومقاييس الخدمة أو المنتج. حيث يمكن أن تساعد مؤشرات الأداء الرئيسية للعمل، مثل الإيرادات ونمو السوق ورضا العملاء، على مراقبة التقدم الشامل والحفاظ على التوافق بين تقنية الأعمال وإبقاء الفرق مسؤولة بشكل مشترك.
  • إدارة المنتج. عندما يتم تطبيق نفس آلية التفكير بالمنتج وإسقاطها على التخصصات التقليدية لتقنية المعلومات لإدارة التطبيقات والبرامج، سنتمكن من رؤية العمل التقني باعتباره أيضا منتجاً يحل مشاكل العمل، بدلاً من كونه مشروعا ينفذ تطبيقاً ويوفر وظيفة.

وهذا قد يساعد ذلك تطوير استراتيجية قوية للمنتج، وخطة منسقة لانتشار العمل التقني عبر الأعمال والمجالات الوظيفية والشركاء الخارجيين، والمشاركة مع أصحاب المصلحة الخارجيين - بما في ذلك الفرص المحتملة والعملاء وشركاء النظام الإيكولوجي – في فترة عملية تطوير المنتج.

  • الخبرة والتصميم. يركز هذا التخصص التقني الجديد على مهمات متعددة، من ضمنها دمج التقنية في دورة حياة العميل داخل المؤسسة لتوفير الخدمات والحلول والمساعدة في ضمان تحديد العوائق الحرجة وحلها بسرعة. كما يمكن للدراسات التحليلية وأنظمة الذكاء الصناعي أن تساعد في التنبؤ بسلوك المستخدم وتوفير تجربة متباينة، وبالتالي تمكين نمو الإيرادات، حيث لاحظنا أن إيرادات الشركات التي حصلت على تصنيف عال من خبرة العملاء تفوقت على الشركات الأخرى بأكثر من خمسة إلى واحد، مما يشير إلى أن روّاد التقنية يجب أن يشاركوا بنشاط في تجربة العملاء وتصميمها. لتحقيق هذه الأفضلية.
  • الهندسة التقنية. يقع فرع الهندسة الأبنية في كثير من الأحيان ضحيةً للنمو السريع. كما قد تؤدي عمليات الدمج والاستحواذ والنظم التقنية التقليدية والانتشار الهائل للبيانات والتطبيقات إلى تعقيد إدارة الهندسة والمنصات والبنية الأساسية. إلا أنه قد أصبح من الممكن تقييم القرارات المتعلقة باستخدام الأنظمة السحابية أو شراء البرامج الجاهزة ليس فقط من حيث التكلفة والميزات والوظائف ولكن أيضاً وفقاً لقدرتها على تقديم خيارات مستقبلية، بالإضافة إلى مرونتها، سهولة استخدامها، وقابليتها للتوسع بما يتناسب مع سرعة السوق.
  • البيانات والرؤى. يمكن لبيانات العميل أن تسهم في زيادة التعاون، كما أنها قد تساعد الفريق التقني على إنشاء خدمات وخبرات لدعم كل محطة يمرّ بها العميل بشكل فردي. بينما يمكن لبيانات الأعمال أن تحسّن عملية صنع القرار، في حين يمكن تحويل بيانات المنتج إلى سيولة نقدية أو استخدامها للمساعدة في تحسين الموثوقية والخبرة. ومع ذلك، فإن البيانات من تلقاء نفسها لا تؤدي إلى زيادة القيمة، إذ يجب أولاً توحيدها وتجميعها من جميع أنحاء المؤسسة والمصادر الخارجية، ثم تحليلها لتقديم رؤى يمكن تحقيق الدخل منها.

للأسف لم تنجح الكثير من المؤسسات في تحليل شفرة البيانات التي تتحول إلى سيولة نقدية، نظراً لكونها مهمة غاية في الصعوبة بسبب السرعة الكبيرة التي يتم بها إنشاء البيانات.

  • تسليم المنتجات والعمليات. يمكن للتوصيل المستمر أن يسهم في تمكين مرحلة تقديم الأعمال الترابطية بشكل أسرع وأكثر تكراراً، مع الاهتمام المستمر بتحسين الجودة. يتضمن هذا على الأرجح الانتقال إلى أساليب مثل التطوير بواسطة أنظمة مثل أجايل (Agile) وديفوبز (DevOps) لتقديم قيم أعمال أكبر وأسرع. ولكن نظراً لاستخدام البيئات التقنية التقليدية لمزيج من أساليب التسليم، فقد تلجأ العديد من المؤسسات في طور تحولها إلى هذه الطرق لتبني طريقة عمل هجينة بين الأسلوبين.

يعتبر تسويق المنتج عنصرا مهما في هذا التخصص، حيث يشمل توضيح نقاط البيع للمنتج داخل السوق، دراسة شخصية العميل، دراسة لحظة إطلاق المنتج، وتطوير استراتيجيات خاصة للمبيعات في هذا التخصص: ويشمل تحديد المواقع في السوق، وتكوين شخصيات العملاء، وإطلاق المنتجات، وتطوير استراتيجية المبيعات (للمنتجات الداخلية، وتطوير استراتيجية الاستهلاك، وغيرها من الأمور).

  • استمرارية المواهب. من المحتمل أن تصبح عملية تقييم المواهب المستقبلية مبنية ليس فقط على المهارات الفنية ولكن أيضاً وفقاً لمرونتها وسلاستها وقدرتها على التعاون وغير ذلك من المهارات التي تعكس قابليتها للتطور. لذا ومن أجل الوصول إلى المهارات المطلوبة، قد يحتاج القادة إلى تقييم والاستفادة من المواهب عبر نظام تسلسل المواهب المفتوح، والذي يشمل العاملين بدوام كامل، العاملين بالعقود، الاستعانة بالمصادر الخارجية، والنظام البيئي للشركاء الخارجيين. بالإضافة إلى ذلك، سوف يتضمن تسلسل المواهب التعاون والشراكات بين الإنسان والآلة. حيث تعتمد الشركات على الآلات لتنفيذ الأعمال، وقد يتطور الطيف الواسع لمهام هذه الآلات بحيث يمكن أن تعمل كأدوات أو مساعدين أو شركاء أو حتى مدراء.
  •  تنسيق العمل بما يتناسب مع الشركاء والنظام البيئي. من خلال التعامل مع النظام البيئي التجاري بمفهومه الأوسع، يمكن للقادة الاستفادة من مصادر إيرادات جديدة مثل منصات الأعمال والصناعة والأسواق الرقمية. كما يمكن لشركاء النظام البيئي مساعدة المنظمات في تحديد وفهم التقنيات الناشئة التي قد تكون ذات صلة باستراتيجية وأهداف العمل. أخيراً، يؤدي إشراك النظام البيئي في العمل إلى تسريع فرص التعلم، والذي يعتبر نشاط اجتماعي إلى حد كبير، والابتكار، الذي غالباً ما يكون نتيجة للتعاون عبر مجالات الخبرة والمعرفة.
  • الأمن، المخاطر والمرونة. وهذه الأمور لا تساعد الشركات عادةً على تقييم وإدارة المخاطر أو استغلال هذه المخاطر المرتبطة بالنمو. إلا أن العديد من المنظمات برعت بإدارة هذه المخاطر الثلاثة باستخدام نظم الذكاء الاصطناعي لتوفير الحماية من المخاطر سريعة التغيّر، وإدارة المخاطر التي تتعرض لها بيانات العميل والشركة، والملكية الفكرية المستخدمة لإنشاء القيمة، وتعزيز المرونة التنظيمية للوفاء بمتطلبات هذا العصر الذي يتسم بالاتصال الفائق، والاحساس بالمسؤولية الرقمية والأخلاقية.
الأبعاد الثلاثة المرتبطة بالتطور التقني: العمل، القوى العاملة ومكان العمل

تعمل القوى الخارجية والضغوط الداخلية على إعادة تحديد الأبعاد الثلاثة لمستقبل العمل في التقنية بشكل أساسي، وتأتي على شكل تساؤلات واضحة كما هو مبين في ( شكل 2) وهي :

  • العمل- أي الأعمال التي يمكن أتمتتها ؟!
  • القوى العاملة- من يستطيع القيام بالعمل؟!
  • ومكان العمل- أين يتم تنفيذ العمل؟ّ!

تتبع كل شركة مسارها الخاص ونهجها المحدد من أجل مستقبلها المهني، وتبدأ من نقطة انطلاق مختلفة اعتماداً على استراتيجية عملها ودوافع مجالها الاقتصادي ونشاط السوق. وبغض النظر عن نقطة الانطلاق يتوجب على الشركات أولاً تحديد طبيعة العمل الجديد ونتائجه المتوقعة قبل النظر إلى التغيرات في القوى العاملة أو مكان العمل.

  • العمل - أيّ الأعمال التي يتم تنفيذها وأتمتتها؟: تزداد وتيرة الأعمال التقنية، وبالتالي سيتم تنفيذها من قبل البشر أو عن طريق الآلات أو من خلال التعاون بين الإنسان والآلة؛ لذا يتوجب على رواد التقنية أن يقوموا بتحديد طريقة توزيع القوى العاملة والروبوتات والخوارزميات بشكل منفصل أو من خلال الدمج بينها.

كما يجب على فرق التقنية أن تركز على نتائج العمل وإعطاء أولوية للمنتجات، بدلا من تركيزها على القدرات التقنية ونماذج التشغيل التي تتمحور حول المشروع فقط.

حيث تعتبر مهمة خلق القيمة بما يتناسب مع وظائف العمل والتركيز على نتائج العملاء بدلاً من العمليات جزءاً من تجربة عمل أكثر إنسانية وجوهرية. ونظراً لأن الفرق التقنية بدأت تنقل تركيزها إلى استراتيجيات وأهداف مشتركة لتقنية الأعمال، ولأنها تؤدي عملها بمساعدة أنظمة الأتمتة، سواء تلك المهام اليدوية المتكررة أو التي تحتاج إلى مهارات عالية المستوى، فمن المحتمل أن تجد القوى العاملة البشرية معنى أكبر في عملها.

  • القوى العاملة (من يستطيع القيام بالعمل): سنلحظ لاحقاً تطوراً واضحاً في كل من الوظائف والأدوار والمواهب والمهارات والهيكل التنظيمي. فقد بدأت نماذج التوظيف تتغير بالفعل؛ حيث يمكن للشركات الوصول إلى القوى العاملة التي تمتلك الموهبة من خلال مجموعة من الحلول داخل وخارج الميزانية العمومية. وأخيراً، بدلاً من أن يكون العاملين متخصصين في التقنية، يمكنهم أن يتحولوا إلى مشاركين رئيسيين في مهمة خلق القيمة.
  • مكان العمل (أين يتم تنفيذ العمل؟): تحوّلت أماكن العمل التقنية من مجرد كونها أماكن متمركزة حول موقع إلى أماكن تتمحور حول العلاقات الإنسانية. لذا وفي المستقبل القريب سيختلف الموقع الجغرافي للعمل، وبناءً على ذلك يجب إعادة تصميم مساحات العمل لتعظيم التعاون والإنتاجية والإبداع المشترك. كما يجب توسيع نطاقه ليشمل شبكة من المواقع الجغرافية، بما في ذلك المكاتب الافتراضية، مساحات العمل والمساحات المكتبية التقليدية. عندما يتم تحقيق ذلك سيصبح بإمكان التقنيات المتكاملة أدوات التعاون والواقع الافتراضي أن تساعد بسلاسة في تسهيل ودعم الاتصالات بين البشر والآلات.

لنلقي نظرة أكثر تفصيلاً على الأبعاد الثلاثة لتطور العمل التقني : العمل والقوى العاملة ومكان العمل.

العمل: من قدرات تقنية المعلومات إلى نتائج العمل التقني

من الناحية التاريخية، نجد أن فرق التقنية تفتخر بتطوير وتقديم قدرات تقنية المعلومات لخدمة احتياجات العمل. فقد قام قادة التقنية بتقييم وتطوير الأفراد والعمليات والأدوات التقنية لتلبية الأعباء التنظيمية من خلال استخدام نماذج وأنماط القدرات المعقّدة، كل ذلك يندرج ضمن إطار مؤسسة تقنية معلومات مركزية. ولكن مع قيام المنظمات بتطوير استراتيجيات مشتركة للعمل التقني بين مدراء تقنية المعلومات وقادة الأعمال وفرق العمل التقنية والتعاون بينهم من أجل تكوين قيمة تجارية، قد تتغير العمليات والأدوار، ويتسبب في تداخل المهارات والمهام التي يتم انجازها من خلال طرق وأدوات التقنية التقليدية.

مما يتطلب منهم إعادة التفكير في كيفية سير العمل فيما بين فرقهم. حيث أنه لم يعد ينحصر التركيز على تسليم المشروع ولكن على القيمة المقدمة بواسطة النتيجة. يقول جون هاجيل، وهو مدير مساعد في مركز "ديلويت": "إن إعادة تعريف العمل يعني تحديد ومعالجة المشكلات والفرص المتاحة غير المرئية في العمل، بما يتناسب مع الجميع لكل المستويات وفي جميع الأوقات".

إنّ الانتقال من قدرات تقنية المعلومات إلى نتائج العمل التقني يتطلب تحولّاً جذرياً في التفكير: فتقنية المعلومات ليست فقط مجرد اختصاص وظيفي يقوم بأداء مهمات تقني، بل قد أصبح قادة الأعمال مسؤولين أيضاً عن التصميم والتقديم الناجح للعمل التقني.

تتضمن عملية الانتقال المكونة من خطوتين والمتمثلة في إعادة تخيل شكل العمل التقني في المستقبل: أولاً، تفكيك العمل وتحديد نتائجه، ثم تحديد الأدوار التي تدعم التخصصات الجديدة.

الخطوة 1. تفكيك العمل وتحديد نتائجه

لتوفير الوضوح حول العمل الجديد وتقديم التوجيه لأولئك الذين يقومون بأدوار جديدة، يمكن لقادة لتقنية تفكيك العمل حسب النتائج المتوقعة لكل تخصص. فلن تحدد هذه النتائج العمل الجديد فحسب، بل ستحدد النتائج المتوقعة والمسؤوليات.

التحليل الإضافي لنتائج العمل قد يساعد في تحديد الأنشطة التي يتوجب على المنظمة أن تأخذ قرارها بشأنها، سواء كان ذلك الاستمرار فيها أو إيقافها أو تقديمها بطريقة مختلفة بناء على تغير دور التقنية. كما يمكن أن يساعد المدراء التنفيذيون في تحديد العمل الذي سيتم تنفيذه بواسطة الإنسان أو الآلات أو دمج الاثنين معاً، والذي بدوره سيضمن حصول جميع أصحاب المصالح على نتائج عمل إيجابية.

هذا المستوى من التفاصيل سيوفر لنا فهماً أعمق لكيفية تغيير العمل وإظهار كيف يمكن أن تتطور الأدوار والمؤسسة لتقديم العمل. مثلا، قد يكشف فحص متعمق كيفية تحديد نتائج العمل للتخصصات التقنية المتعلقة بإدارة المنتج (الشكل 4) وتسليم المنتج وعملياته (الشكل 5).

الخطوة 2. تحديد الأدوار التي تدعم التخصصات الجديدة

بمجرد تصميم نتائج العمل، يبدأ القادة تأسيس المنظمة والأدوار اللازمة لدعم التخصصات الجديدة والنتائج التي يتوقع تحقيقها. في مستقبل العمل التقني ستظهر وظائف جديدة ولكن قد تتطور أيضاً أدوار جديدة من الوظائف الحالية، مثل مدير المشروع ومحلل الأعمال، أو قد ينخفض الطلب على بعض الوظائف، حتى تختفي. وقد يتم شغل بعض الوظائف من قبل عمّال يعملون في مجال العمل نفسه بدلاً من إعطائها لعاملين، في مجال التقنية، من هذه الأدوار على سبيل المثال مالك المنتج. (الشكل 6)

يمكن للقادة تحديد الأدوار التي لن يتم إحالتها إلى النمط الجديد من خلال وتحديد كيفية إعادة تطوير الموارد وتحسينها لإحداث التغييرات. حيث أظهر استطلاع أن ما يقارب ٨٩٪ من المدراء التقنيين التنفيذيين يضعون خطط جزئية أو مكثفة لإعادة تدريب الموظفين الحاليين، ولكن أحياناً قد لا يرغب جميع الموظفين بتغيير أدوارهم، أو قد لا تتاح لهم الفرصة لذلك، فمثلا قد لا يتمكّن بعض مدراء المشاريع من التحكم بسير خطط العمل، مع العلم أن تحديد نتائج ومسؤوليات العمل بوضوح يسمح للقادة بإجراء محادثات صريحة مع موظفي التقنية والأعمال حول التوقعات المستقبلية.

أما فيما يتعلق بوضوح الأدوار فمن الممكن أن يساعد القادة، بالإضافة إلى وضوح هيكل التنظيم لدعم التخصصات الجديدة، على تحقيق الانتقال السلس للمهام. مثلا، قد تحتوي المؤسسة التقنية العادية على المئات من مدراء المشاريع ومطوري التطبيقات. وبالتالي يمكن للمدراء التنفيذيين فهم وتقييم وتوصيل المهارات والأدوات الجديدة التي سوف تحتاج إليها هذه الأدوار، وتحديد خطط العمل الفردية بناءً على الكفاءات الحالية والإمكانات المستقبلية والشغف الوظيفي.

القوى العاملة: من متخصصين في المجال التقني إلى شركاء في عملية التطوير

مما يبدو عليه الأمر، أن القوى العاملة التي تقدم نتائج عمل جديدة، ستصبح عاملاً مهماً في هذا التحوّل، فمع تطور العمل التقني، أصبحت هناك حاجة ملحّة للبحث عن ذوي القدرات والمواهب والمهارات. ومن المتوقع أن يصبح حجم ونطاق وكفاءات القوى العاملة اللازمة لتقديم الأعمال التقنية الجديدة مختلفاً تماماً عما كان عليه الحال في الماضي. مما سيدفع بعض القادة للبدء في التفكير في التغيرات الحاصلة للقوى العاملة دون تحديد طبيعة العمل ونتائجه التي يجب تقديمها أولاً.

رغم ذلك، سنرى أن عدم وجود نتائج محددة بوضوح ومفصّلة للعمل قد يؤدي إلى جهود غير متكاملة وغير مثمرة. ومن أجل تجاوز هذا الأمر يتوجب على قادة الأعمال والتقنية أن يحددوا نتائج العمل الجديد في المقام الأول، عندها فقط يمكنهم اتخاذ قرارات بشأن التحولات المتعلقة بالقوى العاملة.

 فيما يلي بعض المعايير التي قد تساعد في هذا المجال:

هواة التقنية سوف يحلون محل المتخصصين
مع كل هذا التطور الحاصل في العمل التقني، ستتغير المهارات والكفاءات اللازمة لإكمال العمل. يشير ٥١٪ من مدراء تقنية المعلومات الذين شملهم الاستطلاع في تقرير ديلويت لعام ٢٠١٩ على الصناعة إلى استعداد ٤.٠ لمرحلة من عدم التطابق الكبير بين مجموعات المهارات الحالية والاحتياجات المستقبلية.
في الماضي، كان العاملون في مجال تقنية المعلومات يركزون على أداء المهمات ذات المهارات المحددة. حيث كان العامل الذي يتمتع بمهارة تطوير التطبيقات على سبيل المثال، يقضي حياته المهنية في تخصص واحد، ورغم كل هذا التطور الحاصل، إلا أنه مازال حتى الآن الطلب على الخبرات التقنية قليل، يقول ٦٥٪ من المشاركين في دراسة دولية لشركة ديلويت أن علم البيانات وتحليلها سيكون من أصعب المهارات الفنية التي سيسطع نجمها في السنوات الخمسة المقبلة، بينما ذكر ٥٤٪ منهم الأمن السيبراني وحدد ٤٩٪ التقنيات الناشئة.

رغم ذلك، سنلحظ تراجعاً واضحاً في بعض المهارات المتخصصة نتيجة أتمتة تقنية المعلومات. يخبرنا (وين شورتس، نائب الرئيس التنفيذي والرئيس التقني السابق في مؤسسة سيسكو) عن رأيه في هذا الأمر قائلا: "قبل عشرين عاماً، كان الناس يصفون أنفسهم بالخبراء في مجال النظم والتطبيقات والبيانات -SAP-، باتخاذهم أنماطا محددة من أجل انجاز عملهم، لأنها ستشكّل محوراً رئيسياً في حياتهم المهنية في تقنية المعلومات. لكن يبدو أن تلك الأيام قد ولّت، فقد أصبح الأمر يتعلق في عصرنا الحالي بهواة التقنية – وهم الأشخاص الفضوليون الذين يبحثون دائماً عن حلول لمشكلات العمل من خلال التقنية ".
وللتأكيد على ما سبق تقول راشيل بارنت، المديرة التقنية التنفيذية في ماسمتشوال-MassMutual :"لم يعد من الضروري أن يمتلك رواد مجال تقنية المعلومات مهارة واحدة أو مخصصة. حيث أن التقنية تتغير بسرعة كبيرة مما قد يجعل الخبرات المحددة غير ملائمة أمام هذه التغيرات. لذا من الضروري امتلاك المدير التقني مهارات تتيح له مواكبة توجهات التقنية الحديثة، والتركيز على تلك التي قد تساعد في دفع إستراتيجية مؤسسته فيما يتعلق بخدمة العملاء وتمكين التعاون وزيادة الكفاءة التشغيلية والمالية. "

آليات زيادة العاملين في مجال التقنية
بمساعدة نتائج العمل المحددة ، ينبغي على قادة التقنية أن يصبحوا قادرين على التنسيق بين الأدوار والعمل. يمكنهم التأكد من النتائج التي يمكن تحقيقها على أفضل وجه بواسطة الآلات أو البشر (الموظفون الدائمون أو المقاولون أو المصادر الأخرى) أو دمج الإثنين معاً.
يقول ستيف برايس مدير الموارد البشرية في شركة ديل- Dell: "من المهم التفكير في كيفية التعاون لأداء المهمات بين الإنسان والآلات معاً، والذي سيؤثر حتماً على طبيعة الإنجاز في العمل وعلى المكان المخصص لأداء العمل، ونوع المهارات المطلوبة للأيدي العاملة وأثرها على كيفية ومكان العمل، ونوع المهارات التي يحتاجها الناس، وتوسيع نطاق القوى العاملة في المستقبل."
وعلى الرغم من الطبيعة المتغيرة للتقنية الإدراكية، إلا أن الدلائل تشير إلى أنها سوف تسهم في زيادة القوى العاملة البشرية بدلاً من أن تحل محلهم. حيث سيتم وبمرور الوقت أتمتة معظم الأعمال الفنية والهيكلية والتنظيمية والخوارزميات والمنظمة بواسطة الآلات، وسيظل أداء العمل الإبداعي منوطاً بالمواهب البشرية.

يقول توماس مالون، مدير مركز الذكاء الجمعي في معهد ماساتشوستس للتقنية: "لقد ضاع الكثير من الوقت في التركيز على القوى البشرية في مواجهة الحواسيب، بدلاً من التفكير في كيفية تحقيق التعاون بينهما. كما استنزفنا الكثير من الوقت في القلق على الوظائف التي ستأخذها الحواسيب من الناس، ولم نستثمر ما يكفي من الوقت للتفكير في الطرق التي يمكن للأفراد والحواسيب العمل بها معاً، وهذا ما لم نتمكن فعله في السابق".

المهارات البشرية المستدامة مكملة للخبرة التقنية

في الماضي، كانت المهارات البسيطة التي تدعم التعاون المشترك عادة ما تأخذ مقدار أقل من الاهتمام مقارنة بالمهارات الفنية المتخصصة. أما في الوقت الحالي، فقد بدأت أمجاد تلك المهارات البسيطة تعود إلى الواجهة من جديد. مما يؤكد على أن هذه المهارات البشرية الثابتة تزداد قيمتها جزئياً نظراً لعدم قدرة الآلات على تقليدها. وبما أن معظم وظائف التقنية المستقبلية سيتم أدائها بواسطة الآلات وتشغيلها من قبل البيانات، فلابد من توسيع نطاق استخدام تلك المهارات في مجالات الأعمال والتقنية. ولتحفيز عملية الابتكار وزيادة الإبداع، نحتاج بضع سمات مهمة مثل :

  • الحنكة التجارية والمالية للتمكن من فهم التحديات والقرارات التجارية المعقدة.
  • القدرة على فهم الارتباط والتفاعل والتعاون بين البشر والآلات في أداء المهمات.
  • المهارات البشرية الجوهرية والثابتة كالتعاطف والإبداع والحماس للتعلم.
  • القدرة على تقبّل الشك ومحاولة قبول التغيير.

وكما اقترحنا سابقاً، فبدلاً من العمل بعقلية مغلقة تركز على الخبرة في مجال تقنية المعلومات، يمكننا تحقيق التعاون بين المواهب التقنية ومهام العمل بهدف خلق القيمة. وقد أشار المدراء التقنيين الفنيين الذين شاركوا في الدراسة الاستقصائية السابقة، إلى الحاجة من أجل زيادة الخبرة التقنية بمساعدة المهارات التعاونية (الشكل 7).

هذا ليس تحولا بسيطاً، حيث يلزم الأمر ظهور وظائف جديدة وأدوار وكفاءات ومواهب ابتكارية. يجدر الإشارة إلى أن نقص المواهب ليس جديداً على تقنية المعلومات، حيث يؤكد ٦٠٪ من المشاركين في الاستطلاع على صعوبة البحث عن موظفين يتمتعون بتوازن مناسب في المهارات. إلا أنه من المرجح أن تستمر ندرة المواهب في ظل مزيج مناسب من المهارات المتخصصة والكفاءات المتوافقة والمهارات البشرية الثابتة لدعم مهام العمل الخاصة بالابتكار والنمو وتحول في إدارة الأعمال.

تسلسل المواهب المفتوحة يتيح المزيد من الخيارات لوظائف الأيدي العاملة

يمتلك مدراء تقنية المعلومات خيارات أكثر للوصول إلى المواهب التقنية المطلوبة. حيث تتسع دائرة الموظفين التقنيين المحتملين لتشمل كل من المواهب التي تدعمها ميزانية المؤسسة سواء الداخلية أو الخارجية، ابتداء من الموظفين التقليديين بدوام كامل ومديري الخدمات وانتهاء بالموظفين البديلين، بما في ذلك العاملين المستقلين بعقود والعاملين بوظائف غير منتظمة والمصادر الخارجية (الشكل 8).

وفقاً للاستطلاع العالمي للمدراء التنفيذيين للمعلومات، فإن غالبية المشاركين أكدّوا أنهم يعتمدون بقوة على تسلسل المواهب المفتوحة. يقول ٥٨٪ منهم أنهم يقومون بإعادة تدريب المواهب الحالية. بينما تستفيد نفس النسبة المئوية من المواهب العاملة مع الشركاء الخارجيين ومقدمي الخدمات.

وفي استطلاع آخر، قال ٧٣٪ من المدراء التنفيذيين للمعلومات إنهم يخططون للوصول إلى المواهب المطلوبة عن طريق الاستخدام المعتدل أو المكثّف للموظفين العاملين بعقود. ومع ذلك، فإن ثلث المدراء الذين شملهم هذا الاستطلاع يرون بأنهم ما يزالون غير مستعدين للاستفادة من موظفي العقود والموظفين المستقلين أو بمصادر خارجية، وهو حاجز من المرجح أن يتم التغلب عليه نظراً لحتمية تغير طبيعة القوى العاملة.

وعلى الرغم من أن المنظمات التقنية أصبحت بارعة في إدارة بائعي منتجات التقنية، إلّا أن استطلاع ديلويت العالمي لعام ٢٠١٩ المتعلق بالأرصدة البشرية، وجد أن ما يقارب (٤٩٪) من مؤسسات تقنية المعلومات مازالت استراتيجياتها غير متوافقة مع إدارة مصادر تسلسل المواهب المفتوحة ولا تقوم بعملية الدمج فيما بينها، مما يؤدي إلى عدم قدرة المنظمات لتحصل على المواهب المطلوبة من من أفضل المصادر وفي الوقت المناسب.

وقد أشار كل المشاركين تقريباً في الاستبيان إلى أن الموارد البشرية مسؤولة عن توظيف وتطوير موظفين ذوي الدوام الكامل بينما يتعامل قسم المشتريات بنظام العقود مع النظام الإيكولوجي الخارجي، كما ويتاح للمستخدمين في المؤسسة إمكانية الوصول إلى مصادر المواهب المفتوحة مثل: الموظفين بعقود، موظفي الأعمال غير المنتظمة، والاستعانة بالمصادر الخارجية.

تحويل الوصف الوظيفي إلى الإطار الوظيفي
نادراً ما يتطابق الوصف الوظيفي مع الوظيفة الفعلية لا سيما في المجال التقني، وقد يشكّل مستقبل العمل في التقنية الضربة القاضية للوصف التقليدي للوظائف. ستكون وظائف التقنية المستقبلية ديناميكية ودائمة التطور.

حيث يبلغ نصف عمر المهارات المطلوبة حالياً خمس سنوات ويتوقع أن ينخفض عمرها إلى أقل من ذلك، مما يعني أن الأدوات المطلوبة والمهارات والكفاءات والمتطلبات اللازمة لأداء وظيفة ما ستتغير بشكل مستمر. مما سيزيد من احتمالية إشغال الموظف الواحد لعدة أدوار داخل المنظمة خلال حياته المهنية.

ونتيجةً لذلك، فإننا نقترح تطوير الوصف الوظيفي إلى ما نسميه "الإطار الوظيفي" الذي يحدد المسؤوليات الموسّعة، والمهارات الجديدة، والعمل المعاد تصميمه، وإعادة تحديد نتائج العمل الناجمة عن الأتمتة وتعزيز قدرات الآلة.

قد يشمل الإطار الوظيفي الأمور التالية:

  • زيادة وتناقص أهمية المهارات وفقاً لمجموعة الوظائف المحددة.
  • مسؤوليات متنوعة  تندرج تحت مجموعة من الوظائف.
  • شخصية فريدة لكل موظف.
  • وصف "يوم في حياة" من يشغل الدور الوظيفي.

استناداً إلى نماذج النتائج المتعلقة بالعمل، قمنا بتحديد التغييرات المحتملة في إدارة المنتج وعملياته وتسليمه، كما

قمنا بفحص الآثار المحتملة لهذا الإجراء على أدوار مدير المنتج والمدير التنفيذي حسب منهجية "أجايل"، ثم عملنا على تطوير نماذج تجريبية من الوظائف لهذه الأدوار.

وفقاً لمدراء المنتجات، فإن المهارات التي من المحتمل أن تتضاءل أهميتها تشمل: إدارة المشروع، الكتابة الفنية، التحرير وتصميم واجهة المستخدم. ومن جهة أخرى، فإن مهارات أنظمة تطوير البرمجيات مثل سكرم وديف-أوبس، والتفكير التصميمي، وإدارة دورة حياة المنتج حسب منهجية آجايل والدمج المستمر والتسليم ستصبح هي الأكثر أهمية.

أيضا، سيحتاج المدراء التنفيذيون حسب منهجية أجايل بالإضافة لتطوير تسليم المنتجات وعمليات التشغيل مع صقل قدراتهم وتطويرها في عمليات اختبار المنتجات، ومهارات تطوير البرمجيات حسب أنظمة سكرم وديف-أوبس، وتحليل البيانات، وإدارة وتحسين المنتجات والنماذج الأولية، وعمليات الاتصال بالعملاء. ومن المحتمل أن تنخفض الحاجة إلى مهارات مثل إدارة المشاريع وهندسة العمليات وتكامل النظم وتصميم المكونات. (شكل 10).

مكان العمل: من أماكن تتمركز حول الموقع إلى أماكن تركز على العلاقات بين الموظفين

ينبغي على المؤسسات أن تركز على تطور العمل والأيدي العاملة الخاصة بها من خلال تطوير الموقع المستهدف بالإضافة إلى أماكن العمل المادية والافتراضية المرنة. فقد تحتاج أماكن العمل الثابتة الموجودة على أرض الواقع للتحوّل إلى أماكن عمل افتراضية تساعد على التنقل والتواصل وربطها مع أدوات المشاركة والتقنية الناشئة مثل الواقع الافتراضي والمعزز اللذان يساعدان على تحسين التعاون ودمج العاملين من جميع مجالات تسلسل المواهب المفتوحة.

تقول ستيلا وارد، و هي كبيرة المسؤولين الرقميين في كانتربيري وويست كوست ديستريكت هيلث بوردز (Canterbury and West Coast District Health Boards) في نيوزيلندا: "عندما يتعلق الأمر بمكان العمل المستقبلي، فإن التقارب الجغرافي سيكون أقل أهمية. هناك الكثير من أدوات المشاركة لمساعدة الفرق على إنجاز العمل عن بُعد. ويتمثل التحدي في تحديد الأدوات المناسبة والتأكد من أن موظفينا يعرفون كيفية استخدام تلك الأدوات لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة. "

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني دائماً أن الاتصال وجها-لوجه أو استخدام المكاتب لا يعدّ ضروريا على الرغم من أنه قد يتم تصميمها بشكل مختلف.

في الواقع، قد تحتاج فرق التكنولوجيا والأعمال إلى القرب الجغرافي أكثر مما كانت عليه في الماضي. حيث يرى السيد بيرنت المسؤول في شركة ماسمتشوال بيرانت (MassMutual’s Parent) "إن العمل المكتبي يتعلق ببناء العلاقات والثقة بين أعضاء الفريق، فعندما يشعر أعضاء الفريق بالأريحية والثقة أثناء التواصل فيما بينهم ستزداد الإنتاجية. وستساعد أدوات المشاركة الجيدة في الحفاظ على العمل المشترك والمثمر بين الأعضاء لفترات أطول خاصة في حال عدم التقاء العاملين بصورة منتظمة عندما تتطلب ضرورة العمل نوعاً من اللقاءات الدورية."

من المحتمل أن يتم تصميم أماكن العمل المستقبلية بحيث تتميز بالمرونة لتشجيع التعاون والابتكار لخلق قيمة تجارية مشتركة. وعند التفكير في استراتيجية مكان العمل، يصبح بإمكان روّاد مجال التقنية طرح أسئلة حول مساحات العمل والتعاون والثقافة

 في (الشكل 11 ) سنناقش كل مثال بمزيد من التفصيل.

تطوير مساحات عمل تسمح بالابتكار المشترك

من المتوقع أن تتطلب مهمة الابتكار المشترك للحلول التقنية تحقيق مستوى رفيع من التعاون بين وظائف الأعمال والتقنية. قد يكون التعاون افتراضياً أو وجهاً لوجه، وهذا يعتمد على نوع المهمة ونطاق العمل والنشاط. كما يمكن للقادة أن يبذلوا قصارى جهدهم لإنشاء مساحات عمل تدمج بين كونها موجودة على أرض الواقع وجعلها بيئة افتراضية لتشجيع أداء العمل الجماعي مع إدراكهم بالحاجة إلى العمل الفردي المنفصل.

وعلى الرغم من امتلاك نسبة جيدة من القوى العاملة لمستوى مناسب من آليات العمل المرنة، إلا أن المدراء قد يحتاجون إلى الموازنة بين الاستراتيجيات الخاصة بتوظيف أيدي عاملة بعقود مرنة أو بنظام عمل افتراضي وتوفير القرب الجغرافي والمكاتب المشتركة لتحفيز الابتكار وتنوع الفكر والتواصل الفردي.

كما أن التقنيات التي من الممكن أن تعزز من مشاركة العملاء في عملية الابتكار المشترك أصبحت غاية في الأهمية. حيث يمكن أن تساعد فرق التقنية والأعمال على تجميع التغذية الراجعة التي يوفرها العملاء، ودمجها في إصدارات تصميم المنتج، وإشراك المستخدمين والعملاء في عملية مراجعة وتقييم الميزات الجديدة أو التحديثات وذلك بفضل تغذيتهم الراجعة وتعاونهم.

أدوات المشاركة والتدريب تعزز الإنتاجية والإبداع والمضمون والقيمة

أحدثت تقنية عقد المؤتمرات باستخدام الفيديو ومنصات التواصل عبر الإنترنت وغيرها من الأدوات التقنية الحديثة ثورة في قدرة المنظمات العالمية على التعاون السلس. وبالتالي يرى الخبراء أن استخدام أدوات التواصل أمراً حاسماً؛ حيث ستعتمد منظمات كبيرة بأكملها عليها. لذا يجب أن يظل القادة التقنيين على اضطلاع دائم بكل ما يتعلق بالتحولات الطارئة على أدوات التواصل والتعاون الخاصة باحتياجات العمال، وأن يقوموا بتقييمها باستمرار بما يضمن تعزيز التعاون والانتاجية وزيادة الشفافية وتحسين الإبداع، مما يساعد الفرق التقنية في نهاية المطاف على استخلاص مصادر جديدة للقيمة.

تجدر الإشارة هنا أنه ينبغي على القادة والعاملين في المجال التقني التخطيط والتنفيذ بحذر حتى لا تتحول هذه الأدوات إلى آليات تستنزف الإنتاجية. فقد وجدت دراسة استقصائية شملت٢٠٠٠ موظف تقني أن معظمهم يستخدمون في المتوسط أربعة تطبيقات للتواصل، بينما يستخدم ٢٠٪ ستة أو أكثر. أما ٦٨٪ من الموظفين فيقومون بالتنقل بين التطبيقات حتى ١٠ مرات في الساعة؛ تقريباً نفس النسبة المئوية (٦٩٪) يهدرون حوالي الساعة كل يوم في التنقل بين التطبيقات. وقد وجدت الرابطة الأمريكية لعلم النفس أن الموظفين يواجهون انخفاضاً بنسبة ٤٠٪ في الإنتاجية في كل مرة يقومون فيها بالانتقال بين المهام.

لذا فإن تبني أساليب وعمليات ذات دور فعّال في تعزيز التعاون سيعود بنتائج عظيمة. كما يمكن أن تساعد منهجيات آجايل مثل اجتماعات سكرم، والاجتماعات اليومية وحلقات التغذية الراجعة والشفافية والمساءلة المشتركة، في تعزيز التعاون الفعّال. بالإضافة إلى التدريبات القائمة على الأنشطة، والدمج وإدارة برامج التدريب على حل مشاكل التعارض وتنمية طرق التفكير، كل هذه هي أيضاً ممارسات أخرى يمكن للقادة أخذها في عين الاعتبار عندما يهدفون إلى دمج التعاون بين مكان العمل والأنشطة التي تتم داخله.

خلق ثقافة الأداء والهدف والمضمون

في أحد تصريحاته التحفيزية قال ستيف جوبز "الأشخاص الذين في المرتبة "أ" يستقطبون حتماً أولئك الذين في نفس المرتبة”. وهذا ما نلاحظه في المؤسسات، تجد أن المؤسسة التي تمتلك أداء رفيعاً بمستوى "أ" على سبيل المثال ستحفز الموظفين الذين يمتلكون المواهب والإبداع من نفس المستوى وتقنعهم بالعمل في تلك المؤسسة ، أحياناً، قد يقنع أصحاب المواهب ذوي المستوى "ب" المؤسسة بامتلاكهم مواهب ذات مستوى أعلى، لذا يتوجب على المؤسسات والشركات أن تخلق ثقافة داخلية لجذب تلك المواهب الإبداعية الفذة. وقد أظهر استطلاع المدراء التقنيين العالمي أن الثقافة -بمعنى المعتقدات والسلوكيات العميقة الجذور الخاصة بالمنظمة - هي عامل مميز رئيسي للمنظمات الرقمية الطليعية. وعلى الرغم من إدراك المؤسسات لهذا المبدأ إلا أن معظم المشاركين في استطلاع ديلويت الخاص بالأرصدة البشرية عبّروا عن عدم رضاهم عن المميزات التي تتسم بها منظماتهم فيما يتعلق بالثقافة والخبرة، حيث أن ٣٧٪ فقط من المؤسسات امتلك ميزة توفير عمل ذو مغزى ٤١٪ فقط.من المؤسسات تحافظ على بيئة عمل إيجابية.

يمكن للقادة تنظيم ورعاية ثقافة تتوافق مع السلوكيات والنتائج المرجوة. فبالنسبة للعمل التقني المستقبلي، قد تصبح السمات الثقافية كالتعاون والتعاطف والإبداع والمرونة أكثر أهمية مما هي عليه اليوم. فقد أصبح الهدف الاجتماعي والمضمون يلعبان دوراً متزايداً في ثقافة المنظمة، ويرجع ذلك جزئياً إلى الضغوط التي يعاني منها الموظفين، وخاصة الموظفون من جيل الألفية والجيل الذي يتبعه: يقول ٤٢٪ من مدراء تقنية المعلومات المشاركين في الاستطلاع بأن الضغط الواقع عليهم من قبل رؤساء العمل يعتبر دافعاً كبيراً.
لذا يجب على القادة، وأثناء سعيهم لتطوير ثقافة المنظمة أن يركزوا على دعم استراتيجيات الأعمال والتفكير فيما إذا كانت الثقافة والحوافز والسلوكيات والقيادة الحالية تتماشى مع النموذج الجديد. كما يمكنهم أيضاً تحديد ما إذا كان هناك سياسات أو توصيات أو قيود تنظيمية معينة تعوق الإنتاجية والمرونة والنمو.

أما فيما يتعلق بالتقنية، فإن العمل ذو الطبيعة التكرارية يتطلب دمج حوارات خاصة بتطوير الأداء والتواصل لتحسين تدفق العمل. وهنا يجدر التذكير بأن المكافآت تعتمد على ما يحققه العمل الجماعي، من تحقيق الأهداف المشتركة، وتحقيق الألفة بين العملاء بدلاً من التميز الوظيفي.

٣ مضامين رئيسية تؤثر على مستقبل التحولات في العمل
  • التخطيط المالي. قد يكون للتحولات التقنية - والتحولات التي تقابلها في (العمل والقوى العاملة ومكان العمل) آثاراً مالية كبيرة يجب الإحاطة بها في مرحلة مبكرة من التخطيط. حيث ينبغي إشراك أصحاب المصلحة الأساسيين للحصول على توافق في الآراء بشأن مسائل مثل رأس المال مقابل نموذج النفقات، وكذلك الإنفاق الداخلي مقابل الإنفاق الخارجي.
  • مواءمة النظام (الإيكولوجي) البيئي . إن أنماط التفكير التأمينية الحالية غالباً ما تفيد الجهات التي توفّر عروضاً بأقل التكاليف، مما يؤدي إلى علاقات مقايضة، ويربط المؤسسة بالتزامات متعددة لعدة سنوات. وبما أن العمر الافتراضي للمهارات تحوّل من مدى الحياة إلى مجرد بضع سنوات، فقد أصبحت المنظمات عاجزة عن الاعتماد الدائم على المواهب المحددة للقيام بعملها. حيث يدرك القادة الآن أنه يجب اعتبار أنظمتهم البيئية كمصادر للقيمة الجيدة والإيرادات وزيادة المواهب والمهارات الداخلية.

وقد أصبحت الشركات تتطور وتزدهر من مركزها التقليدي كأعضاء في سلسلة القيم الخطية التي تضفي قيمة تراكمية، إلى مشاركين في نظام بيئي أوسع بكثير يشمل: موزعي التقنية، الحاضنات، الشركات الناشئة، شركاء الأعمال، الموردين والعملاء الذين يبتكرون حلولاً تجارية ويكشفون عن فرص جديدة ويوفرون مزايا تنافسية. مثال على ذلك ما قامت به إحدى شركات التوزيع الكبرى من بناء نظام أساسي يسمح لمورديها بتوفير معلومات آنية وبوابة متكاملة لشبكة التوزيع العالمية الخاصة بها، مما ساعدها على توفير الكفاءات وتقليل القوائم الحصرية وزيادة الأرباح عبر النظام الإيكولوجي بأكمله.

  • العمل التقني في المجال التجاري. إن شيوع التقنية في المجال التجاري أصبح ذو تأثير واسع تخطّى الحدود التقليدية لتقنية المعلومات. فالذي كنا نعتبره دوراً تجارياً تقليدياً في السابق، أصبح الآن دوراً متمحوراً حول التقنية. لذا فعلينا ألا نغفل أيضاً عن تأثير التغيرات في العمل التقني والقوى العاملة ومكان العمل على الأدوار الوظيفية.
تصوّر، تشكيل وتفعيل مستقبل العمل

نظرًا لتعقيد وتقارب التخصصات، فإن أنماط المواهب الجديدة ودمج التعاون بين الإنسان والآلة وغير ذلك من المتغيرات التي تتبع عملية التحوّل، قد يجعل مهمة تطوير وتنفيذ استراتيجية مستقبل عمل المنظمة تبدو مستحيلة. لذا ولمساعدة القادة على البدء، نقترح استخدام طريقة أطلقنا عليها "التصور، التشكيل والتفعيل".

وفقاً لهذه الطريقة ننصح القادة بالبدء في التخطيط عبر تخيل مستقبل المنظمة ضمن إطار زمني من ثلاث إلى خمس سنوات، بدلاً من التورط في البحث عن حلول فورية للمشاكل، حيث يمكن تخيل مستقبل العمل دون معيقات، لأن المعيقات تتطور عادةً مع مرور الوقت. إذا لم تكن هناك ميزانية، أو موظفين، أو أي معيقات أخرى، تخيلوا كيف سيكون شكل العمل؟ وكيف يمكنكم البدء بالعمل على خلق القيمة وتوفر عمل ذا مغزى؟

أما بالنسبة لتكوين العمل ونتائجه فمن الممكن أن تساعد الشركات في وضع حجر الأساس للقواعد الرئيسية الثلاثة  (العمل والقوة العاملة ومكان العمل). لذا يتوجب القيام بتحليل وإعادة تصميم خيارات العمل، القوى العاملة وأماكن العمل التي تستفيد من الأتمتة ومصادر المواهب البديلة وأماكن العمل التعاونية.

وأخيراً، ننصح القادة بتنشيط مستقبل العمل من خلال إحداث التغيير داخل القوى العاملة ومكان العمل، وتحديد كيفية قياس النتائج وإصدار التقرير المتعلقة بها. ويشمل ذلك إعادة تنظيم نموذج التشغيل، الثقافة، تنمية المواهب والقيادة.

دروس مستفادة يقدمها لنا القادة
قدم المدراء التنفيذيون الذين شاركوا بالاستطلاعات السابقة ثلاثة دروس مستفادة تساعد على تمكين عملية التصّور والتشكيل والتفعيل لمستقبل العمل.

  • إلقاء نظرة شاملة. قادة التقنية هم الأشخاص القادرين على إيجاد حلول للمشكلات من خلال إلقاء نظرة شاملة عليها بهدف حلها بسرعة. فبدلاً من تقليص التركيز ومحاولة حل نقاط الضعف المحددة المتعلقة بمستقبل العمل، فكروا أولاً في النظر إلى الصورة الكاملة، مع مراعاة التغيرات في العمل والقوى العاملة ومكان العمل بشكل كلي.

حيث أن "النظرة الشاملة" لمستقبل العمل خلال الثلاث إلى خمس سنوات القادمة واستشراف المستقبل يمكن أن يساعد القادة على تخيل وتحديد (فن الممكن) دون المعيقات الحالية. وهذا من شأنه أن يساعد القادة في الخروج من القوقعة الحالية لتحويل طريقة التفكير وتحفيزها لتحسين وتطوير الإمكانات غير المستغلة للعمل والقوى العاملة ومكان العمل.

  • الوصول، المتابعة وإشراك المواهب. في السابق كانت طريقة التفكير التقليدية المتعلقة بإدارة المواهب تركز على جذب وتطوير المواهب المطلوبة والحفاظ عليها. يشير تطور العمل والقوى العاملة ومكان العمل إلى أن نموذج الاستقطاب والتطوير والحفاظ قد فقد مفعوله. لذا عليكم التفكير بدلاً من ذلك في نهج جديد يسمح المؤسسات بالوصول إلى سلسلة المواهب المفتوحة، وتنظيم تجارب التعلم المتعلقة بفئة المستهلك والتي تتيح لهواة التقنية فرصة بناء المهارات في الوقت الحقيقي، وإشراك المواهب من خلال إعادة تنظيم المكافآت والحوافز والقيادة بهدف دعم وتمكين توليد الأفكار، الابتكار المشترك، التعاون، المساءلة والشفافية.

  • التكرار، التسليم والإعادة. لا يمكننا تأكيد أن مستقبل تحول العمل هو رحلة وليس الغاية. حيث نقوم بتكرار نماذج العمل والقوى العاملة وأماكن العمل بشكل مستمر وحسب التغيرات الطارئة على الأعمال والمجالات التقنية. فمع ظهور تقنيات ونماذج الأعمال جديدة، سيستمر العمل التقني بالتغير، ومن المحتمل أن يحتاج قادة المنظمات التقنية إلى التكيف بسرعة مع هذا التغير.
توصيات إضافية لابد من قراءتها:
  • تحولات مهمة: الانتقال من قدرات تقنية المعلومات إلى نتائج العمل.

عادةً، كان يتم تنفيذ العمل التقني من خلال وظيفة مركزية محددة ضمن نطاق تقنية المعلومات ومن ثم  الإلقاء به إلى الشركة العاملة في المجال التجاري لتتحمل مسؤولية تأكيد ما إذا تم تحقيق النتائج المرجوّة أم لا، لذا ولبدء تغيير هذا التفكير النمطي نحن تجنب المفهوم التقليدي لقدرات تقنية المعلومات في هذا التقرير ونركز على مصطلح "نتائج العمل" الذي يتحمل كل من موارد التقنية وموارد الأعمال مسؤولية نتائج المنتج وكذلك التعديلات والتكرار التي تتيح إمكانية ديمومة قيمة الأعمال.

  • الانحياز للسرعة والتقدم وليس الكمال: ندرك تماماً أن السرعة والوقت اللازم للتسويق غالباً ما يكونان مفتاحاً للقدرة التنافسية والابتكار المشترك. حيث أن عملية إصدار المنتجات قابلة للنمو وتكرارها استناداً إلى ملاحظات العملاء أصبحت القاعدة الطبيعية للعمل في الوقت الحالي. لذا يمكننا تشبيه طبيعة العمل التقني المستقبلي بعملية بناء القوارب السريعة بدلاً من السفن البحرية الكبيرة، فلا تزال هناك حاجة إلى الموثوقية والأمان والمرونة، ولكن القدرة والسرعة عادة ما تكون أكثر أهمية.
  • احتضان الابتكار المشترك على مستوى الفريق والمؤسسة والنظام الإيكولوجي. نؤكد مجدداً أن مستقبل العمل ليس رحلة فردية. لذا ينبغي تكوين شراكات مع مدراء تقنيين تنفيذيين آخرين وقادة تنفيذيين في مجالات الأعمال الأخرى وتزويدهم بالمعرفة والقدرة على اتخاذ قرارات تقنية واعية. وقد وجد استطلاع ديلويت أن قادة التقنية الذين يسهمون بتطوير المستوى التقني لنظرائهم في مجال الأعمال تكون لهم علاقات أعمق وأكثر نفوذاً مع أقرانهم. من المرجح أن يكون الحلفاء الثلاثة الأكثر أهمية لقادة التقنية في هذه الرحلة هم الخبراء الماليين، الموارد البشرية وقادة المشتريات، لذا ينبغي على القادة بذل المجهود لمساعدتهم على أن يصبحوا مستثمرين مشاركين وخاضعين للمساءلة عن النتائج.
  • التكرار مع وضع النتائج النهائية في عين الاعتبار. قد يتم تحفيز هذه المرحلة عن طريق إعادة تنظيم الأعمال ونقص المهارات وإعادة تصميم مكان العمل، أو العديد من الأسباب الأخرى المحتملة. ولكن بصرف النظر عن نقطة الانطلاق، يجب أن تحدد الأعمال نتائج العمل قبل محاولة تحويل القوى العاملة أو مكان العمل. حيث أن القفز إلى مرحلة إعادة تشكيل القوى العاملة أو إعادة تصميم مكان العمل دون فهم التحول في العمل التقني قد يخلق حالة من الفوضى والارتباك. أما بعد تحديد نتائج العمل، يمكن للقادة تحديد الأدوات والأتمتة واحتياجات القوى العاملة وكيفية دعم القوى البشرية من خلال استغلال الآلات. كما يمكن أن تساعد نتائج العمل وقرارات القوى العاملة معاً في تحديد نوع مكان العمل الفعلي وأدوات التعاون والثقافة اللازمة لدعم التغيير.
  • تمكين التعلم الآني. لقد ولت تلك الأيام التي كان فيها المهنيين ملزمين بصقل وتطوير مهاراتهم على مدى عقود من عمرهم. حيث أصبح لدى الموظف العادي في إطار بيئات العمل الحالية المتغيرة مجموعة من الوظائف المتعددة في المنظمة. لذا وللتعاون مع الموظفين من ذوي الأداء المميز والاحتفاظ بهم، أصبح لزاماً على القادة تطوير برامج تعلم مستمرة تتيح فرصة اكتساب المهارات في الوقت الفعلي والتدريب أثناء العمل ونقل المعرفة السريع القائم على الخبرة.
  • المحافظة على ميزة الاطلاع على كل ما هو جديد في عالم التقنية والأعمال من خلال عملية الاستشعار. إن تزايد السرعة التي يسير بها التغيير التقني جعل من عملية مواكبة التطورات مهمة صعبة. ولكن ينبغي لقادة التقنية مواكبة التوجهات الناشئة في عالم التقنية وآثارها التجارية من خلال الاستفادة من النظم الإيكولوجية الشريكة والتقنيات الجديدة التي توظفها في أعمالها، أو التعاون مع الجامعات والمراكز الحاضنة أو الاستثمار في الشركات الناشئة. كما يجب عليهم نشر المعرفة التي اكتسبوها من خلال اتباعهم لمناهج معينة ضمن آلية "استشعار التقنية" في جميع أجزاء المنظمة لزيادة سلاسة العمل التقني.
  • التوافق مع أهداف العمل. يجب أن تتوافق العلامة التجارية الخارجية للشركة والثقافة الداخلية ومهمة المؤسسة التقنية مع هدف أسمى، فغالباً ما ترغب أفضل المواهب في العمل لدى الشركات التي يتجاوز طموحها وشغفها وهدفها الاعتبارات الاقتصادية، لإنهم يبحثون عن أماكن عمل تؤمن وتسهم بشكل كبير في العمل على أهداف ذات معنى. لذا من الممكن أن يؤثر التوافق الحقيقي للمؤسسة مع القضايا البيئية أو التنمية البشرية أو الصحة العامة أو أي قضية أخرى ذات صلة بتحقيق الأهداف ذات المغزى في العمل على توظيف المواهب رفيعة المستوى.
  • استيعاب المخاطر المحسوبة. عادةً ما يسعى قادة التقنية إلى تفادي أو التقليل من المخاطر بينما يسعى قادة الأعمال إلى زيادة القيمة مع الأخذ في الاعتبار المخاطر المحسوبة، وهما نوعين من التوجهات التي غالباً ما يكونا متعاكسين. لذا ينبغي للقادة الذين يشكلون مستقبل العمل في التقنية استنباط طرق لفهم الرغبة في المخاطرة والاتفاق عليها باستمرار مع أصحاب المصلحة الرئيسيين واتخاذ القرارات وتصحيح المسار وفقاً لذلك. فبدلاً من قبول الغموض وعدم اليقين والتجريب وتجنب اتخاذ قرار المخاطرة نيابة عن الشركة، يمكن للقادة في المجال التقني تحقيق التعاون لاتخاذ قرارات أكثر وعياً ويقيناً كونها قائمة على البيانات.
  • لا ضير من وضع أحلام وأهداف عظيمة لخلق مستقبل جريء. إن التركيز على الصورة الكبيرة، بدلاً من أداة أو حل واحد، يمكن أن يساعد القادة على اتخاذ الخطوات الأولى نحو خلق مستقبل العمل. يجدر التذكير بأن تغيير الأسس يستغرق وقتاً طويلاً وعمل مستمر عبر أبعاد متعددة، لذا فإن اللجوء لحلول بسيطة ومؤقتة مثل إعادة تأهيل الموظفين، أو إحضار فريق قيادة جديد، أو أتمتة العمل الحالي، لن تخفف من وطأة التحديات الحالية. بدلاً من ذلك، عليكم بتحضير خطة شاملة تتميز بتوظيف استراتيجيات متعددة للعمل والقوى العاملة ومكان العمل مما يضمن توفير فرص أكبر للنجاح.

المصدر : Deloitte

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.