استخدام التقنية في التعليم العالي، البدء في بناء العلاقات!

الوضع الليلي الوضع المضيء

يحدثنا بريان ديسبوري الأستاذ المساعد في علم الأحياء بجامعة رود آيلاند عن تجربته قائلا: " خلال أيامي الأولى في مجال التدريس في كلية الدراسات العليا، كنت ألاحظ أنه يتم بيع التقنية الخاصة بالتعليم باعتبارها إضافة أنيقة للتعليم أكثر من كونها هدفا لتحسين الأداء. حيث كنا نرى في كل عام إصداراً جديداً من مايكروسوفت باوربوينت يعطى للمعلمين والمدرسّين يحتوي العديد والعديد من الوسائط والرسومات الجذّابة بصرياً والتي كانت تبهر الطلاب بشكل واضح."

إذا عدنا إلى الوراء قليلا، سنلحظ أن مشروع دمج التقنية ضمن التعليم، بدا وكأنه محاولة غير مجدية لمواكبة ما يسمى بجيل الهواتف الذكية، لكن المدهش أن الباحث بالموضوع والمطلّع عليه سيلحظ تقدماً ولو بسيطاً سواء كان ذلك بالأدوات التعليمية أو في ممارسات التعليم التي نستخدمها لدمج التقنية في غرفة الصف، كما أن الوصول السهل للأجهزة المختلفة وانتشار شبكة الواي-فاي عالية السرعة، يعني أن المحاضرات التي يتلقاها الطلبة في الصفوف الدراسية التقليدية لا يجب أن تقتصر على المساحة المادية للصف.

كل هذه التطورات الفعالة يستحق الوقوف احتراماً لها، لكنها تثير التساؤلات لدى الأستاذ بريان: " لماذا لا نزال متشبثين بعنصر المكان؟ وهل من الضرورة أن يتواجد الطلاب في الصف الدراسي المادي المحسوس؟ وما هو دور الأستاذ في استمرار التقنية في السيطرة على عملية التدريس؟"

الإجابة على ذلك، هو أننا لا يمكن أن نغفل عن العنصر البشري في مجال التدريس، وحتى مع وجود التقنية داخل الصفوف الدراسية، إلا أننا نحتاج إلى العلاقات لزيادة نجاح العملية التعليمية.

إذًا، كيف يتم ذلك؟ يقول الأستاذ بريان: "بالإضافة إلى استخدامي لأدوات التقنية في محاضرات البيولوجيا التي أقدمها، إلا أنني أعمل أيضا مع أعضاء هيئة التدريس على مستوى الدولة لتطوير عملية التعليم باستخدام التقنية من خلال منظور شامل. وذلك من خلال تضمين أصوات الطلبة ودمجها بأسلوب الحوار، وإدراجها في تصميم المساق وجعلها مكوناً أساسيا في غرفة الصف، وهذا ما يطلق عليه المدرب الشامل."

بالتأكيد يوجد العديد من الطرق التي يمكن أن تساعد فيها التقنية في العملية التدريسية، ولكن عقلية التضمين والدمج يجب أن تعمل على تحديد الأساليب التي يتم فيها استخدام التقنية، وليست التقنية هي من تحدد أساليب التدريب، حيث ترى الفرق بين المدربين الذين يحاولون تبني التقنية ودمجها وفقا لاحتياجاتهم التدريسية، والطرق التي يقاوم بها الطلبة للتصدي للأساليب المستحدثة هذه، على الرغم من أن هذا الأسلوب يعتمد غالبا على بعض التقنية وليس دائما. في حين أن هناك بعد المدرسين يتبنون العديد من الأدوات دون قيامهم بتعديل طرق التدريس أو التفكير في تأثير هذه الأدوات على الطلبة والتفاعل بينهم وبين المعلمين في المحاضرة.

فمثلا، لن يكون الانتقال من المحاضرة إلى مجموعات العمل الصغيرة فعالاً إلا بقدر فعالية التغذية الراجعة والاحترام بين أصحاب المصلحة وفهم الطلاب لكيفية مساعدة هذه العملية على النمو فكرياً واجتماعياً.

فيما يتعلق بتوجه تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (أو ما يعرف بنظام ستيم)، يكون التدريس الشامل وبناء العلاقات غالباً أمراً جديدا جداً بل وخطراً في أغلب الأحيان، وبدون الخبرة المناسبة، فإن المعلمين الذين يحاولون إضافة جانب عاطفي لعملية التدريس فهم يخاطرون بعرض التحيزات الاجتماعية الناتجة عن عدم الوعي. يقول الأستاذ بريان: "في تجربتي، يميل المسؤولون عن تدريب الخريجين ضمن نظام ستيم إلى عدم مناقشة هذا الأمر".

وبالتالي فإن التركيز على بناء العلاقات في التدريس يتطلب معرفة الذات وفهم الطلاب، وهناك خطوات عملية يجب على المعلم مراعاتها والتركيز عليها عند البدء في التحول إلى هذا النموذج وهي:

١. توفير فرص للطلاب للتفكير

ثبت أن إعطاء الطلاب مهمات تتطلب فيها التأمل والتفكير يؤدي إلى ظهور تأثيرات على الأداء الأكاديمي وحتى على المستوى الصحي لديهم. ولكن ماذا لو كان من الممكن استخدام تلك التأملات في جمع المعلومات حول شعور الطلبة بالمغزى والهدف من هذه المهمات؟

يتبنى برنامج الإذاعة العامة الوطنية الشهير الذي يحمل عنوان "أنا أؤمن" - والذي يعرض أسبوعيا على الإذاعة - هذا المبدأ حيث يقرأ الأفراد بصوت عال المعتقدات والصراعات والأفكار الفردية التي توجه حياتهم اليومية.
يوفر هذا البرنامج إطارًا للمعلمين الذين يرغبون في معرفة طلابهم بشكل أفضل في بيئة الفصل الدراسي الرقمي التي أصبح التوجه لها بشكل متزايد. مع ضمان السرية للمتحدث، غالباً ما يكون الطلاب على استعداد للحديث عن الطرق الفريدة التي يسيرون بها في حياتهم بشكل عام ضمن المساق الذي تدور حوله المهمة. وبالتالي فإن هذا يوفر للمعلمين مجموعة فريدة من البيانات التي تساعدهم من خلالها على فهم وإدراك الأشياء المثيرة للاهتمام بالنسبة لطلابهم وبالتالي يسهل بناء العلاقة مع الطلبة على أساس تلك البيانات وليس على أساس افتراضات عامة تعتمد على القوالب النمطية الاجتماعية.

٢. استعد لتتعرف على نفسك وعلى طلابك.

إن مطالبة الطلاب بالتفكير بطرق عميقة وشخصية تعني أن علينا أن نكون مستعدين للاستماع والتعلم منه. وبالتالي فإن هذا الإجراء هو الخطوة أكثر صعوبة.
تمتلك منهجية تعليم العلوم والتقنية والابتكار(ستيم) تاريخا ثقافيا يجعلها تفترض أن المشكلات في غرفة الصف تدل في الغالب على عجز الطلاب، وبالتالي يتم إلقاء اللوم على نقاط ضعف الطلاب أو اختلاف مستويات التعلم لديهم بدلاً من عوامل أخرى غير مسلط عليها الضوء، هي ما تؤثر على تعليمهم.

وتعتبر الفكرة التي تقول إن البيئة الاجتماعية التي نصنعها أو حتى التي لا نصنعها تؤثر على تجربة التعلم، هي في واقع الأمر مفهوم جديد للغاية في التدريس داخل الكليات الجامعية. وفي الفصول الدراسية الشاملة يتعين على المعلم تبني تاريخه وامتيازاته فضلا عن تاريخ الطلاب. ويشمل ذلك التعلم المعقد وعدم التعلم، كل ذلك يمكن أن يؤدي إلى تطوير علاقة أكثر أصالة بين المعلم وطلبته.

قد تكون بعض هذه الدروس صعبة، خاصة أنه ليس جميع المعلمين يفكرون في نفس الطريقة أو الكيفية التي تجعل النتائج غير المتكافئة مستدامة. وتعد العديد من الكتب الصادرة عن هذا الموضوع نقطة انطلاق جيدة لفهم الكيفية التي يمكننا بها تعليم الطلاب وتقودنا إلى تجارب تعليمية حصرية وغير متكافئة، نذكر لكم من هذه الكتب: "دفع الثمن: تكاليف الكلية والمعونة المالية وخيانة الحلم الأمريكي" أو كتاب "التفاوت الوحشي".

٣. الاستفادة من الشركاء

لا ينبغي علينا التقليل من مدى أهمية وجسامة مهمة التعليم من أجل الاندماج، حيث أن هناك العديد من العلماء والمجتمعات والمجموعات وشركاء الحرم الجامعي هم من أكثر الفئات انخراطاً وتفكيرا في هذا العمل، وبالتالي فإن التعلم من خلال الآداب يشكل أولى الخطوات المهمة، ولكن علينا السعي إلى الحصول على المساعدة من منظمات مثل جمعية رابطة الكليات والجامعات الأمريكية أو من معهد جون إن جاردنز الذي حوّل نظرية العدالة إلى التطبيق العملي، سيكون مفيدا في تعلم كيفية تطبيق هذه الأمور ضمن سياق فردي.

٤. وفّر لنفسك فرصاً للتفكير والتأمل

إن التنمية الاجتماعية والفكرية التي يمر بها كلا من الطلاب والمعلمين حين يتحاورون ويناقشون الأفكار تشكل السبب الرئيسي الذي يدفع المعلمين للتدريس، ومن عجيب المفارقات أن وفرة الأدوات التقنية في الفصول الدراسية الخاصة بتوجه تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات (ستيم) أعادت ترتيب أولويات التخصصات غير التابعة لتوجه لـ (ستيم) والتي تطرح أسئلة فلسفية حول العلاقات الإنسانية. يقول الأستاذ بريان: "هناك شيء فريد من نوعه فيما يتعلق بإشراك ما يقارب ١٥٠ طالبًا للاستماع لقصصهم في كل عام، إن قصصهم تلهمني كثيراً وتعلمني الكثير عن التجارب الإنسانية، وبالتالي فإن دورنا كمعلمين يتلخص في تعليم الطلبة كيفية الاستفادة من تاريخهم الشخصي ليصبحوا من مفكرين ومواطنين فاضلين في أوطانهم".

إن التقنية والإبداع في التعليم العالي من الأمور المهمة، ولكن يجب القيام بهذا الأمر حتى النهاية، لتحقيق الدعم وبناء مجتمع محترم حر ومفكر من الباحثين في المستقبل في الفصل الدراسي المادي.

المصدر: EdSurge

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.