ماهي مناطق العالم التي ستشهد ولادة أودية السيليكون في المستقبل؟

الوضع الليلي الوضع المضيء

إن فكرة الشركات التي تنمو وتزدهر بسرعة بحيث تتضاعف إيراداتها في أقل من عامين، تعيد إلى الأذهان عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون، ولكن هذه المعدلات في النمو أصبحت أبعد ما يكون عن كونها حكراً على الشركات في العالم المتقدم، بل في الواقع، فإن هذه الثقافة من "النمو الهائل" بدأت تُزرع في الكثير من المناطق في مختلف أنحاء العالم.

في حين أن الأسواق الأمريكية والأوروبية قد تكون معروفة بشركاتها التي تتميز بنموها السريع، فإن حالة السوق في مناطق أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينا) أصبحت تمتلك بعضاً من أفضل الفرص لتحقيق النمو الهائل، وذلك بفضل النمو اقتصادي السكاني السريع التي تشهده تلك المناطق، فضلاً عن الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية.

العقبة الكبرى أمام النمو السريع

الأمر لا يتوقف فقط على وجود الشركات التي تشهد نمو هائلاً في كل منطقة، فهناك أيضاً العديد من التحديات الهائلة التي تواجهها في خضم محاولتها النمو والتوسع، وأكبر عقبة يمكن أن تواجهها جميع الشركات – والموجودة أيضاً لدى الشركات التي تشهد معدلات نمو أبطأ - هي الموهبة، فوفقاً لتقرير صادر عن دراسة (Mastering Hypergrowth)، والتي تم إجراؤها من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي على ما يقرب من 200 شركة في جميع أنحاء العالم، فإن أكثر من نصف (تماماً 55.6%) كبار المديرين التنفيذيين يقولون بأن إيجاد الحافز والحفاظ على أفضل الأشخاص يعتبر واحداً من التحديات الأكثر إلحاحاً التي يمكن للشركات أن تواجهها.

تحديد المواهب على أنها قلق تجاري في كل مكان يسلّط الضوء على عامل رئيسي في النتائج التي توصل إليها المشروع، فبعد المواهب، تبدأ التحديات الرئيسية لنمو الشركات الهائل بالاختلاف، وذلك تبعاً للمنطقة، وتعكس هذه التحديات القضايا التي تواجه بيئة العمل في جميع أنحاء العالم، وتشمل التعامل مع الأنظمة، الحصول على رأس المال، القيادة، وإدارة الأسواق الجديدة، إلى جانب العديد من القضايا الأخرى.

القوانين والتنظيمات

سلط البحث الضوء على التنظيم باعتباره أكبر الحواجز التي يمكن أن تواجه نمو الشركات الهائل في آسيا والمحيط الهادئ، فالقوانين صارمة التي تحكم هياكل ملكية الشركات وحركة رأس المال، تحد من قدرة الشركات على نطاق واسع، كما أن ضوابط حركة العمل غالباً ما تمنع القوى العاملة الماهرة والمثقفة في آسيا والمحيط الهادئ من السفر ضمن المنطقة، ولكن التغيير قادم، وهذا يمكن أن يؤدي إلى انفجار في النمو الهائل، ففي عام 2015، طرحت رابطة دول جنوب شرق آسيا المجموعة الاقتصادية (ASEAN)، هذا الموضوع بهدف تسهيل حرية حركة السلع والخدمات والاستثمار ورؤوس الأموال والعمالة الماهرة بين أعضائها.

تبحث حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم عن تنويع اقتصاداتها بعيداً عن تقاليدها التي تعتمد اعتماداً مفرطاً على النفط، مما سيخلق فرصاً لتطبيق النمو الهائل في العديد من القطاعات، وبالفعل، فقد أصبحت الحركة السريعة للسلع الاستهلاكية والمواد الصيدلانية من المجالات التي يتم التركيز عليها بشكل كبير، وذات الأمر ينطبق أيضاً على الخدمات المالية، فعلى سبيل المثال، استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تحول نفسها بنجاح لتصبح مركزاً عالمياً للأعمال المصرفية الإسلامية.

عموماً، تمتلك المنطقة كماً هائلاً من الإمكانيات الاقتصادية، ولكن الشركات ذات النمو الهائل تحتاج لأن تكون خبيرة في خوض غمار المتطلبات التنظيمية من أجل الاستفادة من ذلك، وأيضاً، هناك قيود على الملكية الأجنبية للشركات في صناعات معينة، لذلك فإن إنشاء سوق موحدة في الشرق الأوسط يمكن أن يمكّن المزيد من الشركات التي تتميز بالنمو الهائل من الإقلاع، شأنها في ذلك شأن تطبيق المزيد من التعاون بين مناطق التجارة الحرة التنافسية.

تعتبر إمكانات السوق الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى ضخمة نتيجة لوفرة السلع الطبيعية، مثل النفط والمعادن، فضلًا عن سكانها الشباب وتوسعها السريع، حيث تم تصنيف هذه السوق بالفعل على أنها إحدى أسرع الاقتصادات نمواً في العالم بما في ذلك إثيوبيا وموزمبيق ورواندا، ومع ذلك، فإن معظم الشركات الأفريقية لا تزال صغيرة وفقاً للمعايير الدولية.

إن التعقيد وعدم القدرة على التنبؤ بالتنظيمات في المنطقة، يعيق تقدم الشركات ذات النمو الهائل، ففي كينيا مثلاً، يمكن أن تتعارض القوانين والأنظمة الصادرة من قبل الحكومات الوطنية وحكومات المقاطعات مع بعضها، كما أن صناعة الخدمات المالية في نيجيريا مضبوطة بشكل كبير جداً، وتطبيق القوانين والتنظيمات يمكن أن يكون غير متساوياً، وأحياناً معدوماً، ولكن على الجانب الإيجابي، فإن هذا الغموض يعطي الشركات التي تطمح للوصول إلى مرحلة النمو الهائل الفرصة للمشاركة مع المنظمين للتأثير على السياسات والقوانين لتفادي الغرامات في وقت لاحق.

المحاربة من أجل التمويل

كسوق يتضمن فئة مثقفة من العاملين، حركة حرة، وأطراً تنظيمية واضحة، تعتبر أوروبا منطقة خصبة لنمو الشركات الهائل، ولكن على الرغم من المشهد الأولي المزدهر، فإن هناك ثقافة سائدة من الابتعاد عن المخاطرة تحكم سوق الأعمال، وقد ازداد انتشار هذا الوضع جراء الأزمة المصرفية التي مر بها العالم، ونتيجة لذلك، تجد شركات النمو الهائل الأوروبية صعوبة في إيجاد العقلية الصحيحة ومصدر التمويل الذي يمكّنها من توظيف أصحاب المواهب والابتكارات وتوسيع نطاق أعمالها من الملايين إلى المليارات من العائدات.

يعتبر انخفاض النمو وضعف الإنتاجية من القضايا المهمة في أوروبا، فهذه الأمور تجعل المنطقة أقل قدرة على المنافسة من أمريكا الشمالية، ومن خلال إدراك هذا، قامت الحكومات الأوروبية الفردية والمفوضية الأوروبية بدعم برامج تزيد من روح المبادرة والابتكار، ورداً على ذلك، كان لبرامج التسريع تأثير كبير في تحويل المشهد، مما سمح للشركات الأوروبية بدعم الشركات الناشئة ورواد الأعمال.

بوجود رعاة مثل (Nordic bank Nordea)، الذي أطلق برنامج مسرّع لتسريع الابتكار التكنولوجي المالي في عام 2015، تسعى أوروبا لمعالجة ثقافة النفور من المخاطر، وأيضاً، فإن السوق السويسرية تعزز وجودها في مجال التكنولوجيا المالية وسوف تتنافس قريباً مع لندن من خلال مبادرتها "Digital Zurich 2025".

استثمار القادة

من بين جميع المناطق الأخرى، استطاعت أمريكا الشمالية رعاية العمل الحر بنجاح واستخدام التكنولوجيا لتعزيز الشركات ذات النمو الهائل، فباعتبارها موطناً لوادي السليكون، الذي يعتبر المركز العالمي للابتكار التكنولوجي، تمتلك أمريكا الشمالية ثقافة ملائمة للأعمال التجارية والبنية التحتية التكنولوجية المتطورة، وبالنظر إلى أن المنطقة تعتبر نقطة جذب للموهبة الدولية، فإنه ليس من المستغرب أن استثمار أفضل القيادات تعتبر واحدةً من أكثر التحديات إلحاحاً بالنسبة للشركات التي ترغب في جعل علامتها التجارية مميزة، وليس هناك داعٍ لنقول بأن جيف بيزوس من أمازون ، بيل غيتس من مايكروسوفت، وإيلون موسك من سبيس اكس، هم من بين القادة الأكثر احتراماً في المنطقة، وكذلك بالطبع ستيف جوبز من أبل، وقد شجعت الشهرة والمكانة المنسوبة إلى هؤلاء الأفراد على فكرة أنه إذا ما وجدت الشركة القائد الصحيح، فإن كل شيء سيكون في مكانه الصحيح.

في ظل وجود العديد من الشركات ضمن مشهد المنافسة العالية المستوى، بدأت الشركات الأمريكية في كثير من الأحيان تنظر إلى القيادة بأنها العامل الأساسي الذي يقوي موقفها ضمن المنافسة، ولكن بالنسبة للشركات التي لا تزال قبل مرحلة البدء، تبقى الأولوية لإنشاء فرق القيادة والإدارة التي تضمن للشركات نمواً هائلاً وقوياً بما يكفي لتحمل رحيل مؤسسيها الكاريزميين، واستدامة النمو في بيئة تتميز بالتحرك السريع.

قوة جديدة في السوق

عانت أمريكا اللاتينية من بعض التحديات الاقتصادية والسياسية الكبيرة في السنوات الأخيرة، حيث تمر البرازيل حالياً بحالة من الركود والتشوش بسبب الفضائح السياسية التي تجتاحها، بينما تصارع الأرجنتين مع ارتفاع معدلات التضخم المستمرة، كما أن ثقافة الأعمال السائدة تقليدياً في المنطقة كانت موجهة من قبل الأسر، ويتم كبح الاستثمار الأجنبي  من خلال الضوابط التي تقيد حركة رؤوس الأموال في العديد من البلدان.

بالنظر إلى كل تلك القيود المفروضة على بيئة الأعمال في أمريكا اللاتينية، فمن المنطقي أن ترى الشركات ذات النمو الهائل في المنطقة بأن تنمية وتطوير أسواق وعملاء جدد على أنه أكبر تحدٍ يواجهها، لذلك ترى العديد من الشركات ذات النمو الهائل في أمريكا اللاتينية بأن أمريكا الشمالية هي السوق الأساسي لها، حيث أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر عدد من السكان الناطقين بالإسبانية بعد المكسيك وأسواقاً تقدر قيمتها بنحو 1.5 تريليون دولار، وذلك وفقاً لمقدم المعلومات نيلسون.

تحويل المواقف لصالح الشركات

إحدى أكثر الأمور المثيرة حول النمو الهائل هو أنه يمكن أن يحدث في أي مكان، بل في الواقع، قد تكون أفضل الفرص المتاحة لهذا النمو موجودة في المواقع التي قد لا تبدو مواتية ظاهرياً لممارسة الأعمال التجارية.

السبب في نجاح شركات النمو الهائل في الوقت الذي فشل فيه الآخرون، هو أنها ردت على التحديات الإقليمية التي واجهتها بطريقة ساهمت في الواقع من تعزيز نموها، وقد يكون هذا من خلال التأثير على الجهات التنظيمية لسن قوانين تعمل بشكل أكثر كفاءة، وإقامة الشراكات مع الشركات الأخرى لدخول سوق جديدة، أو السعي للاستثمار من مصادر غير تقليدية، أو تطوير القيادات الملتزمة بترسيخ قيم المؤسس على المدى الطويل.

المصدر: ورلد إكومونيك فوروم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.