قوة صناعة السوق: كيف يمكن للابتكار أن يساهم في النمو الاقتصادي

الوضع الليلي الوضع المضيء

تركز معظم تفسيرات النمو الاقتصادي على الظروف أو الدوافع على المستوى العالمي أو الوطني، حيث أنها تربط الازدهار مع عوامل مثل الجغرافيا والديموغرافيا والموارد الطبيعية والتنمية السياسية والثقافة الوطنية، أو خيارات السياسة الرسمية، ولكن هناك تفسيرات أخرى تعمل على المستوى الصناعي، وتحاول شرح السبب الذي يقف وراء ازدهار بعض القطاعات أكثر من غيرها، ففي النهاية، ليست المجتمعات والحكومات أو الصناعات هي من يوفر فرص العمل، بل الشركات وقادتها، فرجال الأعمال والشركات هم من يختارون الإنفاق أو عدمه، الاستثمار أو عدمه، والتوظيف أو عدمه.

هذا البحث في النمو، يتخذ نهج عكسياً، فهو يعمل من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس، متبنياً وجهة نظر الشركة والمدير، ومن هذا المنطلق، ندرك أن الأنواع المختلفة من الابتكارات تمتلك تأثيرات مختلفة جذرياً على النمو الاقتصادي وفرص العمل، فهذه الرؤية تعطي رجال الأعمال، صانعي السياسات، والمستثمرين، القدرة على التعاون أكثر من أي وقت مضى لخلق ظروف تزيد من احتمالات تفعيل الازدهار المستدام، وخاصة في العالم النامي، والجدلية هنا هي أن وجود النموذج الراسخ من الاستثمار والابتكار على مستوى الشركة يقود إلى تنمية اقتصادية تحولية وإلى الازدهار الوطني، وإن هذه النماذج ظلت ثابتة بشكل ملحوظ في توضيح النجاحات في السابق، ويمكن أن تقدم توجيهات للجهات المعنية حول ما الذي يجب البحث عنه وما الذي يجب بناؤه في المستقبل.

أصناف الابتكار

يستهدف هذا النموذج الابتكار باعتباره الوحدة الأساسية للتحليل، وذلك على اعتبار أن معظم الاستثمارات تركز على ذلك، والابتكار في المقابل، يأتي في ثلاثة أصناف، الأول هو ما نسميه "الابتكار الدائم"، والغرض منه هو استبدال المنتجات القديمة بأخرى جديدة أفضل منها، وهذه الابتكارات مهمة، لأنها تبقي على حيوية الأسواق وتنافسيتها، فمعظم التغييرات التي يراها المرء في السوق هي نوع الابتكارات الدائمة، ولكن هذه الابتكارات هي استبدالية بطبيعتها، فإذا نجحت شركة ما في بيع منتجات أفضل لعملائها الحاليين، فإنهم لن يشتروا المنتج القديم بعد ذلك، فعندما تطلق سامسونج نموذجاً محسناً من هواتفها الذكية الرائدة، فإن مبيعاتها من الإصدارات القديمة تنخفض بسرعة، وكذلك عندما تقنع تويوتا مستهلكيها بشراء سيارة تويوتا بريوز، فإنهم لن يشتروا سيارة كامري، ولذلك فإن الاستثمارات في الابتكارات الدائمة نادراً ما يؤدي إلى المزيد من النمو الصافي ضمن الشركات التي تقوم بتطويرها وبيعها، ونادراً ما تؤدي إلى إيجاد وظائف جديدة لدعم النمو الاقتصادي الكلي.

النوع الثاني هو "ابتكار الكفاءة"، وهو يساعد الشركات على إنتاج منتجات أكثر مقابل تكلفة أقل، فابتكارات الكفاءة تسمح للشركات بتصنيع وبيع المنتجات أو الخدمات الموجودة بأسعار منخفضة، ونموذج التجزئة في وول مارت، على سبيل المثال، هو نموذج على ابتكارات الكفاءة، فوول مارت تستطيع بيع نفس المنتجات لنفس الزبائن كمحل بيع تقليدي، مثلما تقوم بذلك مخازن ماكيس الأمريكية حين تبيع بأسعار تقل بنسبة 15% وبنصف كمية المخزون، لذلك تلعب ابتكارات الكفاءة في كل اقتصاد تنافسي دوراً حاسماً لبقاء الشركات، ولكن بحكم طبيعتها التي تتمثل بإنتاج منتجات أكثر مقابل تكاليف أقل، فإن ابتكارات الكفاءة تؤدي إلى القضاء على الوظائف أو التعاقد مع الموظفين من خلال مجهز للوظائف يكون أكثر فاعلية، وبالإضافة إلى قدرة ابتكارات الكفاءة على إنتاج كمية أكبر من المنتجات مع عدد أقل من الأشخاص، فإنها تزيد من كفاءة رأس المال، وتحسن دورة التدفق النقدي.

النوع الثالث هو "إبتكارات خلق الأسواق"، فعندما تنشأ معظم الصناعات، فإن منتجاتها وخدماتها تكون مكلفة جداً ويصعب الوصول إليها لدرجة لا يستطيع شرائها واستعمالها إلاّ الأغنياء، ولكن ابتكارات خلق السوق تحوّل مثل هذه العروض إلى منتجات وخدمات رخيصة بما يكفي لتصل إلى فئات سكانية جديدة تماماً، والنماذج مثل سيارة ت فورد، والكومبيوتر الشخصي، والهواتف والذكي، وتداول الأسهم عبر الإنترنت هي أمثلة عن ابتكارات خلق السوق، وذلك لأن العديد من الأشخاص يستطيعون شراء مثل هذه المنتجات، والمبتكرين يحتاجون لتوظيف المزيد من الأشخاص لصناعة وتوزيع وخدمة هذه السلع، وبما أن ابتكارات خلق السوق تكون بشكل عام بسيطة وقليلة التكلفة، فإن سلاسل التوريد التي تستخدم عادة في الابتكارات الدائمة لن تدعمها، وهذا يجعل أمر بناء شبكات إمدادات جديدة وتأسيس قنوات توزيع جديدة أمورًا ضرورية من أجل خلق سوق جديد، وبهذا يمكن القول بأن ابتكاريي خلق السوق يخلقون نمواً جديداً ووظائف جديدة.

تتطلب استثمارات خلق السوق أمرين، أولهما رجل أعمال يحدد الحاجات غير المشبعة لدى الزبائن، وثانيهما وجود معطيات اقتصادية (مثل مقدرة تكنولوجية أو خاصية في السلعة أو نموذج عمل يجلب مزايا هامة في اقتصاديات الحجم) فعلى سبيل المثال، نجحت خدمات شركة M-pesa الكينية، في معالجة نقص استهلاك الخدمات المصرفية في جميع أنحاء البلاد باستخدام منصة الاتصالات اللاسلكية، فعندما قامتM-pesa  بإطلاق خدماتها عام 2007، كان أقل من 20% من الكينيين يستخدمون البنوك آنذاك، أما اليوم فقد ازداد العدد إلى 80%، وفي الوقت ذاته بشر عملاق الاتصالات السلكية واللاسلكية في جنوب أفريقيا (MTN)، بثورة الهاتف الخلوي في جميع أنحاء القارة وذلك بدمج البنية التحتية للاتصالات مع الهواتف ذات الكلفة المنخفضة التي تستهدف غير المستهلكين.

أي اقتصاد قوي، في أي وقت، يمتلك مزيجاً من الأنواع الثلاثة للابتكارات، ولكن ابتكارات خلق السوق بالذات تجلب الوظائف الدائمة التي تخلق الازدهار في النهاية، لذلك فمن خلال استهداف اللاستهلاك، يمكن لابتكارات خلق السوق أن تحول عجز الدول النامية – مختلف الاحتياجات غير الملباة لدى شعوبها – إلى أصول، وفي هذه العملية، فإنها تقوم بخلق شبكات ذات قيمة جديدة، وبناء قدرات جديدة، وتوليد عمالة دائمة، وهذا بدوره يغذي حلقة حميدة، حيث يتسلق الابتكاريون إلى أعلى السلم نحو فرص لااستهلاكية أكثر تعقيداً.

كيف تعمل ابتكارات خلق السوق؟

تظهر الأبحاث السابقة بأن ابتكارات خلق السوق تشكل عاملاً هاماً في جميع الدول التي نجحت في تحقيق النمو الاقتصادي التحولي، وقد تكون اليابان في ما بعد الحرب أفضل مثال على ذلك، فبعد أن خرج الاقتصاد الياباني مدمراً من الحرب العالمية الأولى، كان التحدي في إعادة البناء أصعب من مهمة البدء من الصفر، ولكن نجاح اليابان في ذلك المسعى كان يُعزى للفخر القومي، أخلاق العمل القوية، ولرؤية الوكالات الحكومية، التي كانت تتمثل حينها بوزارة التجارة العالمية والصناعة، أو إلى التفوق في العلوم وتعليم الهندسة، لكن هذه التفسيرات فقدت قوتها الإقناعية حينما دخل الاقتصاد الياباني في ركود تضخمي في العقود الأخيرة، فالثابت لا يمكن أن يفسر المتغير، إلّا أنه برز لاحقاً تفسير أكثر قوة لنمو البلاد بعد الحرب وهو نجاحها في ابتكارات خلق السوق في مجال الدراجات النارية والسيارات وإلكترونيات المستهلك وتجهيزات المكاتب وصناعة الصلب.

بالنظر إلى صناعة الدرجات النارية اليابانية، فمن بين مجموعة من 200 صانع في خمسينات القرن الماضي، برزت (هوندا) و(كاواسكي) و(سوزوكي) و(ياماها) لتقود التطور الصناعي في الداخل والخارج، وهذه الشركات (الأربع الكبار) لم تسع للنمو من خلال سرقة حصة السوق من القادة الموجودين سلفاً في هذه الصناعة، فبدلاً من ذلك، قامت تلك الشركات باستهداف اللاستهلاك، فعندما شرع البرلمان الياباني تعديل لقانون حركة المرور في عام 1952 يسمح للسائقين الشباب بركوب الدراجات النارية، كانت سوزوكي أول شركة تكيّف منتجاتها لحاجات الزبائن الشباب، وذلك بتصنيع محرك بحجم 60 cc، وكذلك، بالنسبة إلى هوندا قامت بتصنيع محرك بقوة 50 cc يستهدف العدد المتزايد للأعمال الصغيرة التي تحتاج لوسيلة تنقل لإيصال السلع ولكنها غير قادرة على تحمل السيارات الكبيرة، ولذلك طرحت هوندا سعراً متواضعاً لدراجاتها لا يتجاوز الـ 25 ألف ين، أي حوالي سبعين دولار، ووفرت خطة للدفع بالأقساط الشهرية لمدة 12 شهراً، لذلك فإن المنافسة المحلية بين الشركات التي تسعى بقوة لاستهداف المستهلكين ذوي الدخل المحدود دفعها للتكامل العمودي في المركبات وللتكامل الأفقي في قنوات التوزيع، هذا بدوره خلق وظائف في اليابان تجاوزت الشركات الأربع الكبار ذاتها، وهو أيضاً ما أعطى تلك الشركات القدرة على تصدير الدراجات النارية إلى الولايات المتحدة وأوربا والتنافس على مستهلكين جدد في هذه الأسواق أيضاً.

لوحظ ذات النموذج في شركات أخرى مثل (بانوسونك) و (شارب) و (سوني) في مجال إلكترونيات المستهلك، وفي (نيسان) و(تيوتا) في مجال السيارات، وفي (كانون) و (Kyocera) و (Ricoh) في مجال الأثاث المكتبي، فجميعها اتبعت استراتيجية من مرحلتين في المنافسة ضد اللاستهلاك في السوق المحلي الياباني أولاً ومن ثم اتبعت ذات الاستراتيجية في الخارج.

هذا النموذج استُنسخ أيضاً في كوريا الجنوبية، حيث درس مبتكرو خلق السوق في البلاد، مثل شركة سامسونغ التي كان لها الدور المحوري في صعود اقتصاد، التجربة اليابانية بدقة، فقد تأسست سامسونغ كشركة تجارية لكنها دشنت مصنعاً إلكترونياً فرعياً في عام 1969 لصنع منتجات تستهدف اللاستهلاك المحلي لتكنلوجيا الترفيه والتبريد، وكان أول منتجات سامسونغ الإلكترونية تلفزيون أبيض وأسود تم إنتاجه بالاشتراك مع شركتين يابانيتين هما نيس وسوميتومو، وبعد ذلك مباشرة، قامت سامسونغ بدراسة النماذج اليابانية لإنتاج أول مروحة كهربائية رخيصة الثمن في كوريا الجنوبية، ومن ثم انتقلت الشركة إلى مكيفات الهواء الرخيصة التكلفة، ومن خلال إنتاجها لسلسلة مستمرة من ابتكارات خلق السوق، أصبحت سامسونغ أشهر الأنواع المعترف بها عالمياً وإحدى أكبر المساهمين في الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية.

في الصين أيضاً، قام مبتكرو السوق ببناء مواقع محلية لهم ضمن مواطئ قدم وطنية وعالمية في صناعات تتراوح من السلع الاستهلاكية المعمرة إلى تجهيزات البناء، فمثلاً، بدأت شركة (Haier) العمل في عام 1984 كمبتكر صانع للسوق من خلال إنتاجها لثلاجات صغيرة للامستهلكين الصينيين، ومن ثم دخلت في شراكة مع شركة (Liebherr) الألمانية للحصول على التكنلوجيا والمعدات، حتى نجحت الشركة في عام 2011 بإزاحة العديد من الشركات العالمية في سوق الكهربائيات المنزلية البيضاء من خلال خطوط إنتاج مستوحاة من خبرتها في الصين، وهذا ما جعلها تكتسب 7.8% من حصة السوق العالمي، وذات الأمر ينطبق على شركة (Sany) التي بدأت العمل في عام 1989 كمتجر للحام المواد الصغيرة في مدينة فقيرة بمقاطعة هونان، ولكنها استفادت من فهمها للحاجات المحلية واستيعابها لآخر ما وصلت إليه التكنولوجيا في إنتاج تجهيزات البناء الرخيصة لسوق البناء الصيني المزدهر، واليوم، تمتلك شركة ساني أعلى حصة في السوق الوطني مقارنة بمنافسها الكبير شركة كاتيربيلر الأمريكية، وقد استطاعت أيضاً امتلاك حصة في السوق العالمي.

يظهر ذات النمط في دول أخرى أيضاً، ففي تشيلي، لقيت إصلاحات الحكومة وصناعة النحاس المزدهرة ترحيباً كبيراً، ولكن يبدو بأن ابتكارات خلق السوق كانت المحرك الحقيقي للنمو، فمثلاً، إزدهار القطاع الزراعي في تشيلي كان مرتكزاً على خلق السوق، فقبل الابتكارات التشيلية، كان عدم استهلاك الفواكه الطازجة والخضراوات شائعاً في معظم فصول السنة في الدول غير الاستوائية المتقدمة، ولكن المصدرين الزراعيين استخدموا علم الحراثة المحسّن والخدمات اللوجستية الحديثة لإحداث تحول في وفرة المنتجات وتوفير سلع طازجة طوال السنة.

في الهند، تبنى العديد من مقدمي الخدمات الصحية ابتكارات خلق السوق لتسهيل الوصول للرعاية الصحية العالية النوعية، فمستشفى (The Aravind Eye Hospital) باشر في هدفه المتمثل في توفير جراحة منخفضة التكلفة للعيون للفقراء من غير المستهلكين، وقيام المستشفى بإدخال الابتكارات، مثل الاستخدام الراقي للطاقم الطبي وخدمات متدرجة المستويات لمن يدفع أو لا يدفع من الزبائن، جعله أكبر مستشفى للعيون في العالم، وتماماً كما هي الحالة اليابانية، تستخدم الشركات الهندية إمكاناتها المحلية في استهداف اللامستهلكين في الخارج، فمستشفى ناريانا، مثلاً، افتتح مركزاً في جزر كايمن لتقديم خدماته للأمريكيين المتحفظين تجاه الكلفة، كما وقد أصبحت الهند رائدة في مجال السياحة الصحية من خلال توفيرها للخدمات لأكثر من مليون أجنبي سنوياً.

في البرازيل، حيث عادة ما يكون الاهتمام منصباً على الوفرة الكبيرة في الزيوت وموارد الخشب، كان مبتكرو خلق السوق مثل (Embraer) يبذلون جهوداً كبيرة في مجال خلق الوظائف والقدرات، وكما هو الحال لدى معظم مصنعي الطائرات، حصلت (Embraer) في البدء على الدعم من الحكومة وركزت على إنتاج طائرات للأغراض العسكرية، لكن الشركة وجّهت اهتمامها بعد ذلك نحو السوق التجاري، وبدأت تقوم بتسليم طائرات منخفضة التكلفة للخطوط الجوية المحلية، واليوم، اكتسبت (Embraer) قدرات واسعة، وبنت شبكات توريد محلية واسعة، وأصبحت تقوم بصنع طائرات للعديد من الخطوط الجوية العالمية الشهيرة، بما فيها الأمريكية و دلتا وجيتبلو ويونايتد، أما شركة ((Grupo Multi، التي تعتبر نجاح آخر في مجال خلق السوق البرازيلي، فقد استطاعت استهداف غير المستهلكين من متعلمي اللغة الأجنبية من خلال تطوير نموذج جديد لتعليم البرازيليين لكيفية التحدث بالإنجليزية، وتمتلك اليوم حق إمتياز 2600 مدرسة، وتوفر أكثر من 20 ألف وظيفة وتدرّب أكثر من 800 ألف طالب.

النوع الصحيح للاستثمار

مثل هذه الأمثلة تشير بأن هناك مجال واسع من الفرص المتوفرة للنمو عبر استهداف اللاستهلاك وخلق امتيازات محلية قوية تستطيع تحقيق حضور إقليمي أو عالمي، والنظر إلى الأمور بهذه الطريقة يلقي الضوء على الدور الحقيقي الذي تلعبه الموارد والاستثمارات في التنمية، فمن الواضح أن العديد من الدعامات الهامة للتنمية – مثل الاستثمار في صناعات الموارد الطبيعية ومشاريع البنية التحتية الكبيرة والاستثمار الأجنبي المباشر- لم تحقق المنافع التي توقعها داعموها، والسبب جزئياً يعود إلى أن هذه الاستثمارات لم تخلق الأسواق.

تساءل الاقتصاديون منذ وقت طويل عن السبب الذي يجعل الدول النفطية مثل إيران والعراق والمكسيك ونيجيريا وفنزويلا أو ذات المعادن الثمينة مثل منغوليا وبيرو وروسيا تولّد بلايين الدولارات كعائد لكنها لا تخلق سوى القليل من الوظائف والقليل من النمو في الاقتصاد القومي، الجواب هو أن الاستثمارات في صناعات الموارد في الدول النامية تقود إلى ابتكارات الكفاءة، وهي مصممة لإنتاج الكثير بأقل التكاليف، ومنذ اليوم الأول لعمل هذه الحفارات والمصافي ، يكون هدف مدرائها زيادة الإنتاجية عبر التقليل من الموظفين، وهذا هو منطق ابتكارات الكفاءة، والمحصلة تكون صافي خسارة في الوظائف وليس كسباً.

العديد من مشاريع البنية التحتية، مثل أبراج الاتصالات، محطات توليد الطاقة الكهربائية، والطرق، هي أيضاً من استثمارات الكفاءة، فهي تقلل كلفة عمليات الشركات الوطنية، مما يسمح لها بتقديم خدمة أفضل لزبائنها الموجودين، لكنها لا تقود مباشرة لخلق نمواً مستداماً وازدهاراً، بل في الحقيقة، إذا لم تستطع هذه المشاريع ضم أنواع أخرى من الاستثمارات التي تستهدف خصيصاً إشباع حاجات المستهلكين التي لم تتحقق، فإن منافعها ستبقى محدودة بالزبائن الموجودين سلفاً وسيكون تأثيرها الاقتصادي محدوداً ايضاً، وهذا يوضح السبب الذي يجعل استثمارات البنية التحتية في الدول النامية، التي تدعمها منظمات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تفشل عادة في تحقيق نمو اقتصادي طويل الأجل.

معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في النهاية، هي أيضاً موجّهة نحو الكفاءة، والنوع الأكثر شيوعاً هو عندما تقوم الشركة المتعددة الجنسيات ببناء مصنع منخفض التكلفة لتقديم خدمات لمنتجات ذات استخدام نهائي، وهذه الاستثمارات عادة ما تكون "مهاجرة"، أي أنه حالماً تنتهي الشركة من ممارسة دورها القائم على أساس التكلفة المنخفضة في البلد x، فانها ستنقل مصانعها إلى البلد y المنخفض التكلفة، إذا أمكن، لذلك فهذه الاستثمارات تهدف لإيصال السلع إلى البلد وإخراجها منه، وليس لبناء مصدر مستقر وطويل الأجل للإنتاج والوظائف.

بشكل حتمي، بعض أنواع الاستثمار الأجنبي المباشر تجلب منافع هامة للدول النامية، وأحد الأمثلة على ذلك هو عندما يتولّى الاستثمار دعم السلعة التي تخلق سوقاً جديداً في الخارج، فسوق السلع والخدمات النهائية الذي ينمو أسرع من ابتكارات الكفاءة عادة ما يكون مُخفّضاً للتكاليف، ومثل هذه الاستثمارات تدفع للأشخاص ليعملوا وليبنوا وليديروا المصنع الأول، ومن ثم تستمر الشركة باستئجار عمال إضافيين لمواكبة نمو المستهلك، هذا التمييز يوضح السبب الذي منع الاستثمار الأجنبي المباشر من خلق نمو جوهري في المكسيك ولكنه خلق ذلك النمو في تايوان، فمعظم الاستثمارات الأمريكية في المكسيك موّلت ابتكارات كفاءة مندمجة ضمن أسواق الاستخدام النهائي القائمة سلفاً – في صناعات مثل السيارات، الأثاث الكهربائي، والمحركات الكهربائية-، ولكن في المقابل، فإن معظم الشركات التي قادت التطور الاقتصادي في تايوان – بما فيها ASUSTeK computer, HTC, Hon Hai precision Industry, MediaTek – وفّرت ابتكارات كفاءة مندمجة ضمن ابتكارات خلق السوق، وذلك ينطبق على أغلب المركبات الفعّالة والخدمات المستخدمة في ابتكارات خلق السوق مثل اللابتوب وكومبيوتر التابلت والهواتف الذكية، ولكون النمو الناتج من ابتكارات خلق السوق هو أكبر من نسبة الانخفاض الناتج عن زيادة الكفاءة، فإن الاقتصاد على المستوى الأوسع أصبح أكثر ازدهاراً.

كيف يمكن خلق النمو المستدام؟

بما أن معظم الاستثمارات في الدول النامية جرى تصورها من الأعلى نحو الأدنى وكان تركيزها على الكفاءة، فليس من المستغرب أن نجد القليل من النمو في المجالات التي تتطلع للنجاح، فإذا أراد كل من القطاع العام والخاص الحصول على مستقبل أفضل يجب عليهما العمل على دعم ابتكارات خلق السوق والمبتكرين في أسواقهم المحلية.

إن العامل الحاسم في ترسيخ ابتكارات خلق السوق ربما يكون في تهيئة الخطط والحوافز التي تسرع من تدفق رأس المال بين المستثمرين ومبتكري خلق السوق، وجزء من هذا العمل يتضمن ببساطة تكييف الأدوات الموجودة حالياً مع تحديات معينة للاستثمار في الأسواق الناشئة، فمثلاً تمتلك منصات الاستثمار على الإنترنت، مثل أنجلست وجست، التي تربط المستثمرين مباشرة برجال الأعمال، إمكانية تسريع العديد من استثمارات خلق السوق (شريطة أنها تستطيع التكيف لمعالجة مخاوف الثقة المشروعة للمستثمرين)، وكلاهما يمتلك حضوراً في النطاق العالمي، كما أن ما يسمى بشبكات التمويل الجماعي مثل Kickstarter  وIndiegogo، يمكن توظيفها بدقة أكبر في فعاليات خلق السوق، مع تركيز خاص على منح المستثمرين من ذوي الاثنيات المتعددة في الدول النامية الفرصة للاستثمار، وفي الدول الغنية بالموارد، يستطيع رجال السياسة لعب دور الجسر في نقل حصة من العائدات من تلك الموارد باتجاه صناديق صممت خصيصاً لاستثمارات خلق السوق، وهذه الصناديق يجب أن تدار بشكل مستقل من جانب مستثمرين يفهمون كيفية رصد ودعم ابتكارات خلق السوق.

يركز معظم رجال الأعمال على إدخال منتجات وخدمات لم تكن موجودة في الأسواق الحالية، ولكن ابتكارات خلق السوق بنيت على استهداف اللاستهلاك والحاجات غير المشبعة في الأسواق الجديدة، لذلك ولكي يستطيع رجال الأعمال الاستفادة من غزارة الفرص اللاستهلاكية المتوفرة في الدول النامية، لابد من وجود برامج تدريب كافية تعلّم رجال الاعمال كيفية رصد مثل هذه الفرص وتقدير المكافأة المتوقعة من تلبية تلك الحاجات المحرومة، وبالتنسيق مع الجامعات والشركات، يجب أن تدرس هذه البرامج الكيفية التي تمت بها السيطرة على ابتكارات خلق السوق في دول مقارنة وتحديد التكنولوجيات ذات التأثير الأكبر، وهناك عدة حالات دراسية متوفرة سلفاً بحيث يمكن تعليم رجال الأعمال العناصر الحاسمة في خلق السوق، مثلاً، قيام شركة Godrej & Boyce بصنع الثلاجة المحمولة (chotukool) – وهو المنتج الذي وفر إمكانات تبريد معقولة لـ 80% من سكان الأرياف الهندية غير القادرين على الحصول على تبريد جيد- تبيّن كيف أن الإبداع والصبر يمكن أن يجلبا السلع المغيّرة للحياة لقطاعات من السوق كانت لفترة طويلة تفترض أن مثل هذه الرفاهيات بعيدة المنال.

إحدى المخاوف القديمة للمستثمرين ورجال الأعمال في محاولتهم لبناء أعمال في الدول النامية هي عقبة الفساد، ولكن مع ذلك، فهناك دليل يشير إلى أن الفساد المنهجي يمكن الالتفاف عليه، فعلى الرغم من أن درجة الفساد في الهند مرتفعة في جميع مستويات المجتمع، لكن شركات تكنولوجيا المعلومات في المقاطعات الجنوبية ازدهرت، وذلك لأن الإنترنت أصبح يشكل ممراً حول الفساد وليس عبره، وهذا المبدأ يعطي أملاً للشركات الأخرى حول العالم، فبدلاً من صرف الوقت في تقديم طلبات أو المفاوضات حول رسوم الشهادات، والأجازات والتراخيص والتسجيل، يجب على التنفيذيين العمل مع قادة من ذوي الذهن الإصلاحي في خلق طرق لجعل تلك الإجراءات سهلة وواقعية، متجاوزة بذلك فرص الفساد المتعددة التي تكون في الطرق في العادية.

بالنسبة لبعض القيود على مستوى النظام، فبدلاً من الانتظار إلى أن يغير النظام ذاته، يحاول رجال الأعمال استيعاب المشكلة والسيطرة بقوة على النتائج، فمثلاً، رغم أن أسواق رأس المال التقليدية قد لا ترحب بابتكارات خلق السوق، إلّا أن مفهوم "تمويل الملكية" قد يساعد شركات الأفراد، وفي ظل هذا النظام، فبدلاً من أن يقوم رجال الأعمال بتوفير الأموال عن طريق طرح أسهم أو عن طريق القروض، سيقومون بمنح رخصة لمستثمر رأس المال، في حين أن المستثمر لا يستلم أي شيء حتى يتم تحقيق العائد، ومن ثم يقوم رجل الأعمال بدفع حقوق ملكية للمستثمر وهي نسبة من العائد – تماماً كما في حالة إجازات الملكية الفكرية-، وعندما يزداد العائد، تزداد حقوق الملكية، حتى تصل الحقوق المتراكمة المدفوعة إلى أضعاف المبلغ الأصلي، وهذا الاتجاه يمنع الحاجة للسيولة، أو فرصة دفع نقود، والتي يصعب التنبؤ بمحصلتها عندما تكون أسواق رأس المال ضعيفة التنظيم والحراسة، فبدلاً من ذلك، يستفيد المستثمرون من عملية السيولة التي يمكن رصدها والتأكد منها مباشرة.

يعتبر أصحاب المهارات الموهوبين أكثر ندرة من أصحاب رأس المال، وهنا أيضاً، تستطيع الشركات التحرك لاستيعاب المشكلة، وذلك عبر احتضان برامج تدريب مهنية داخل الشركة والعمل عن قرب مع المدارس والجامعات، لتستطيع الشركات معالجة المشكلة مباشرة، ففي كوريا الجنوبية، قامت شركة بوسكو للصلب ببناء جامعة خاصة بها لتدريب المهندسين الكفوئين، وتبعاً لمؤسس الجامعة بارك تاي- جون الذي قاد الشركة لتأسيس جامعة بوهانغ للعلوم والتكنولوجيا، فمن الممكن استيراد الفحم والأدوات، لكن لا يمكن استيراد الموهوبين، والجدير بالذكر أن المدرسة دائماً ما تندرج في قمة تصنيف الجامعات الوطنية والعالمية، حيث صُنفت حسب استطلاع التايمز للتعليم العالي ضمن الترتيب الأول من بين 100 جامعة يقل عمرها عن خمسين سنة.

أخيراً، فإن التسلح بالتفسير السببي للنمو المستدام، العمل في ظروف داعمة، والارتباط بصناع سياسة متعاطفين، يمكّن رجال الاعمال في الدول النامية من خلق أسواق وفرص جديدة، والنتيجة لن تكون فقط نجاح الشركات بل أيضاً خلق وظائف على نطاق واسع وازدهار أقوى وأكثر استدامة لبلدانهم ومواطنيهم.

المصدر: فورن فيرس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.