المتاجر المنتشرة في كل مكان – البيع بالتجزئة على الانترنت يزدهر في الصين

الوضع الليلي الوضع المضيء

علي بابا تجني المزيد من توسّعها

تستقيظ شابة ما في مدينة عملية صباح كل يوم عادة بالتعرّف على المستجدّات في وسائل التواصل الاجتماعية، وتطلب سيارات الأجرة على هاتفها النقّال. وربما تستخدم هاتفها كذلك للشراء من البقالة أو مشاهدة فيديو ريثما تتوقّف مركبتها في زحام المواصلات، ثم الدفع للسائق وشراء القهوة. وحينما تصل إلى مكان العمل، قد تقوم الكترونياً بتحويل مبلغ مالي لتعويض أحد الأصدقاء عن تذكرة حفلة موسيقية. يبدو الأمر طبيعياً حتى الآن، لكن هذه الشابة تعيش في الصين، كل واحد من تلك الأنشطة الالكترونية أوحتى الآن، طبيعية جدا. ولكن إذا كان هذا الشاب الحضري يعيش في الصين، وربما تكون كل واحد من هذه الأنشطة الالكترونية مدعومة من "علي بابا" أو شركة ما لديها حصة فيها.

تجتاح التجارة الإلكترونية كل مكان في الصين، حيث بلغت المبيعات عبر الإنترنت فيها العام الماضي حوالي 366 مليار دولار – وهو مجموع ما يحدث في أمريكا وبريطانيا مجتمعة– حيث يتسوّق فعلياً 80% من البالغين في أكبر المدن الصينية عبر الانترنت. وعلى الرغم من تباطؤ النمو منذ ظهوره قبل بضع سنوات، إلا أن يورومونيتور “Euromonitor” تتوقع أن حصة التسوق عبر الإنترنت من إجمالي التجزئة سترتفع إلى 24٪ بحلول عام 2020؛ فيما يتوقّع غولدمان ساكس “Goldman Sachs” أن يصل إلى 31% بما في ذلك تفاوت توقعات المبيعات من مستهلك إلى آخر، ما يعني بيعاً أكثر للمتسوقين الحاليين واكتساب متسوقين جدد في المدن والبلدات الصغيرة.

تربح علي بابا –الشركة الرائدة في هذا التحول– معظم أموالها من الإعلانات. على الرغم من ذلك؛ فقد تغلغت في حياة المستهلكين بطرق لم يسبق رؤيتها في أمريكا أو أوروبا. يجب على الغربيين تخيّل صورة تجمع كلاً من أمازون، تويتر، إي-باي و باي-بال معاً، وربما بشكل أكبر. قصة "علي بابا" التي شُكِّلت على مستوى جيّد، وُلد جاك ما –مؤسسها ورئيس مجلس الإدارة– في مدينة هانغتشو في عام 1964، وهو نفس العام الذي وُلد فيه "بيزوس" مؤسس أمازون. مارس وأجاد لغته الإنجليزية حين قدّم خدمات مجانية في بلدته كمرشد سياحي، فيما ألهمته زيارته الأولى لأمريكا عام 1995 لإنشاء شركة انترنت في الصين. ثم أسس "علي بابا" عام 1999 بعد بضع بدايات غير مستقرة لمساعدة الشركات الصينية البيع للمشترين الأجانب. كما أنشأ تاوباو “Taobao”، التي توفّر منصاتٍ تجارة الكترونية للبائعين المستقلين، ومنصة التجارة الالكترونية للعلامات التجارية الكبيرة تي-مول “Tmall”، والكثير غيرها قادم.

دعم مكاسب "علي بابا" مئات الملايين من المستخدمين الصينيين الذين يمارسون حياتهم بشكل كاملٍ على الانترنت، إلى جانب قائمة من القوانين والسياسات في الدولة. فعلى سبيل المثال، منصّتها على الانترنت تتطلب وسيلة موثوقاً بها لعمليات الدفع في بلدٍ لا يزال فيه استخدام بطاقات الائتمان نادراً، وهو ما أدّى إنشاء وسيلة الدفع الالكترونية علي-باي “Alipay”، والتي تقوم تحجز على قيمة المشتريات حتى يستلمها المشتري ويسجّل رضاه عنها. وقد انتعشت وسيلة الدفع هذه منذ إنشائها، ففي السنة المالية 2014، بلغ عدد مستخدميها  حوالي 520 فرداً، والذين لا يحصرون استخدامه في للتسوق على تاوباو أو تي-مول بل امتدّ الأمر لدفع الفواتير، وشراء الغداء أو تحويل مبالغ مالية إلى أفراد الأسرة. وقد سجّلت علي-باي عدد مستخدمين بحوالي 2,5 أكثر من باي-بال و11 ضعفاً أكثر من آبل-باي العام الماضي، لاسيّما وأن أمازون لا تملك أياً من منصات الدفع الالكترونية، فلا يزال معظم الأمريكيين والأوروبيين متعلّقين باستخدام بطاقات الائتمان التي جرّبوها ويثقون بها.

تستمر منصات التجارة الالكترونية لـ"علي بابا" بالتوسّع، فالشركة لا تبيع فقط جميع أنواع السلع، بل انتقلت إلى الرعاية الصحية والخدمات. فمنصّة "علي هيلث/Ali Health” تبيع الأدوية عبر الانترنت على سبيل المثال، وقد أعلن الرئيس التنفيذي لشركة "علي بابا" السيد "تشانغ/Zhang" مؤخراً  شراكة مع سلسلة الفنادق العالمية ماريوت “Marriott”، إضافة إلى أنها اشترت حصصاً في شركات أخرى لتوسيع نطاقها، فالشركة تملك الآن منصة بث الفيديوهات "يوكو/Youko"، واستثمرت في "ويبو/Weibo" –منصة اجتماعية شبيهة بتويتر– والتي تضم حوالي 361 مليون مستخدماً، إلى جانب خدمة "ديدي/Didi" لمشاركة الرحلات في مركبة واحدة. زاد تغلغل "علي بابا" في حياة الناس بحيث إن حدث وأن أُعجبت مستخدِمة بفستان ترتديه ممثلة ما ظهرت على "يوكو" يمكنها شراؤها فوراً على تي-مول.

من جهة أخرى؛ إذا كشفت الصين عن مدى اتساع نطاق شركة واحدة، فإنها تُظِهر كذلك عن كيفية نشوء منافسين، فأكثر المنافسين لـ"علي بابا" هما "جي-دي/JD" و "تِنسِنت/Tencent" اللتيين انضمتا مؤخراً إلى المجال ذاته. بدأت تِنسِنت من خلال تطبيقات ألعاب الفيديو ومنصات تبادل الرسائل، وتعدّ لعبتها "شرف الملوك/Honour of Kings" إحدى أعلى ألعاب الفيديو تحقيقياً للدخل، أما تطبيقها "وي-تشات/WeChat" للرسائل فيستخدمه حوالي 963 مليون مستخدم شهرياً. ففي حين بدأت "علي بابا" التجارة الإلكترونية والمدفوعات وتوسّعت بهما، بدأت "تِنسِنت" من خلال الألعاب والرسائل الالكترونية، ثم انتقلت أكثر إلى التجارة الالكترونية. حيث استحوذ كلاً من تطبيق "تِنسِنت" للدفع  بواسطة الهاتف النقال، وتطبيق "وي-تشات" للدفع على حوالي 40٪ من السوق في الربع الأول من العام، مقارنة بحوالي 54٪ التي يملكها "علي-باي". من جهة أخرى؛ تعدّ " تِنسِنت " أكبر مساهم في شركة "جي-دي دوت كوم/JD.com" التي استثمرت فيها قبل ثلاث سنوات، وتملك الآن حوالي خُمسها.

إننا نعرف ما تريد قبل أن تريده

مقارنة بـ"علي بابا"، تبيع شركة "دي-جي DJ" مخازنها الخاصة لطرفٍ ثالث، ولها نظام توزيع خاص، فيما يمكن للمتسوقين شراء السلع من "دي-جي DJ" داخل تطبيق "وي-تشات". من جهة يشكّل عدم وضوح الخطوط الرئيسية أو الحدود بين الأنشطة الرقمية يوفّر لـ"علي بابا"، و"دي-جي DJ"، و"تِنسِنت" كمية هائلة من المعلومات حول حياة عملائها، كما حدث من إعلان "دي-جي DJ" في أغسطس الماضي عقدها شراكة مع "بايدو/Baidu" أكبر محرك بحث صيني.  يقول تشانغ تشن “Zhang Chen” مدير التقنيات في شركة "دي-جي DJ": "سنعرفكم ما تعرفون أنفسكم". فيما تتمكن "تِنسِنت" من جمع البيانات من منصات وسائل الإعلام الاجتماعية، والعمليات الشرائية والمدفوعات على منصات التجارة الالكترونية أو المتاجر التقليدية. فيما أنشأت "علي بابا" مؤخراً نظام "المعرف الموحّد"، والذي يجمع بيانات المستخدمين عبر العديد من شركات "علي بابا". هذه البيانات تعطي الشركات المزيد من التلميحات حول ما يريده المستهلكون ليتمكنوا من تعديل استراتيجيات التسويق. هذا الأمر؛ أشبه ما يكون بنظرية "الأخ الأكبر" التي تحوّلت إلى رأسمالي يدرس وسائل لبيع المستهلك منتجاً ما.

ووِفقاً لـ"تشانغ تشن": "لا تهم تلبية الطلب بقدر خلقه"، فشركته وشركتي "دي-جي DJ" و"تِنسِنت" تطمح إلى ما هو أبعد من التجارة الإلكترونية، حيث يعملون على الاستحواذ على أكثر من 85% من  تجارة التجزئة الجارية، إما عن طريق جلب المزيد من الإنفاق عبر الإنترنت أو من خلال خدمة العملاء في المتاجر، حيث تُستخدم كلاً من "وي-تشات" للدفع و "علي-باي" بالفعل على نطاق واسع في التعاملات التجارية. يمتدّ الأمر إلى أنه قد يحدث وأن تمرّ  أمام محلٍ للملابس وتصلك قسيمة شرائية الكترونية صُممت وِفقاً لعاداتك الشرائية. لاسيّما وأن كلاً من "دي-جي DJ" و"علي بابا" يرَون أنفسهم شركاء محتملين لتجار التجزئة التقليديين، وليسوا مساعدين لهم في عمليات الشحن، فهم يوفرون كذلك أدوات لتحوّل طرق البيع في تلك المتاجر. شركة "دي-جي DJ" على سبيل المثال تستخدم خدماتها اللوجستية لنقل السلع من المورّدين إلى المتاجر الصغيرة دون المرور بسلاسل التوريد. فيما استثمرت "علي بابا" في المتاجر والسوبرماكت، كما حدث في  هيما زيانشنغ “Hema Xiansheng”، سلسلة السوبرماركت الممتدة، والتي يمكن تغيير الأسعار فيها الكترونياً خلال اليوم.

يريد "جاك ما" استخدام التكنولوجيا لتغيير التصنيع الصيني. فـ"علي بابا" توفر فعلياً خدمات كالإعلان، والحوسبة السحابية وتراقب تلك الخدمات باستمرار، مستنِدة على البيانات التي يتم جمعها. فيما يطمح "تشانغ" إلى استخدام مثل هذه "البنية التحتية القائمة على البيانات" لدعم الأعمال التجارية الأخرى. وقد حققت "علي بابا" شيئاً من ذلك في الصين، إلا أنها حين تستثمر في المجال ذاته خارج الصين فتصتطدم بأمازون وأخرى غيرها، من الذين يتوقون إلى إنشاء بُنىً تحتية تخصهم.

المصدر: الايكونوميست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.