شحن البضائع : شركات الشحن اللوجستية تحتاج إلى التغيير

الوضع الليلي الوضع المضيء

زيادة الطلب المستمرة تتطلّب طرق توزيع جديدة

يقف "يانغ مينغ/Yang Ming" بجانب دراجة حمراء كهربائية ثلاثية العجلات في ساحة في بكين، بينما ينتظر عامل سابق في مصنع من بلدة صناعية خارج العاصمة ينتظر مع عشرات من رجال آخرين وصول شاحنة. ففي الوقت الذي تصل فيه إلى مستودع "جي دي/JD" يشكل الرجال خطاً تجمّعياً لتفريغ الصناديق، إنها إعادة تحميل الحزم لدراجاتهم ثلاثية العجلات، والانطلاق عبر حركة المرور. تملك "جي دي/JD" حوالي 400 محطة للتسليم مثل هذه في بكين وحدها، و2,5 مليون موزّع في الصين على استعداد لحمل الشحنات إلى وجهاتها النهائية. وحينما بدأ "يانغ/Yang" العمل منذ عدة سنوات في توصيل الشحنات، وصل عددها إلى 80، فيما الرقم الآن 130، وماتزال في ارتفاع.

من وجهة نظر المستهلك؛ يعتبر التسليم السريع الذي توفره التجارة الإلكترونية كالسحر، عدد قليل من النقرات، وخلال ساعة أو ساعتين تصل الشحنة المطلوبة. إلا أنه تكمن وراء ذلك كمية هائلة من الاستثمارات، والهندسة، والعمل الجاد حيث تواجه الشركات توقعات متزايدة من التسليم السريع منخفض الثمن. ومن المرجح أن تكون شبكات التوزيع متوترة مع نمو حجم الطرود، وهو ما يحفّز التجارب الجديدة في مجال الخدمات اللوجستية، والعمليات الأرضية (تحميل البضائع في المتاجر)، وأخرى قد تبدو مجنونة وجريئة على ما يبدو (براءات اختراع أمازون لمستودعات منشأة تحت الماء).

وقد اعتمدت التجارة الالكترونية في الأسواق الناشئة على جيش من الرجال ذوي الأجور المنخفضة نسبياً، مثل "يانغ". ففي أمريكا، يشير "كريستيان ويثربي/Christian Wetherbee" من "سيتي بانك/Citi Bank" إلى أن الخدمة البريدية الأمريكية ساهمت في ارتفاع التجارة الإلكترونية من خلال تخفيض نظام تكلفة توصيل الطرود. وكانت أمازون المستفيد الرئيسي للأمر، حيث يتم فرز السلع عن طريق الرمز البريدي في المستودعات الكبيرة، ثم تسليمها إلى مكاتب البريد للتعامل مع الميل الأخير من التسليم.

كل من هذه الأمور تبدو قابلة للتغيير. ففي أميركا، تبلغ قيمة استحقاقات مكتب خدمة البريد حوالي 34 مليار دولار لتعويض العمّال المتعثرة. أما أعداد الطرود فهي آخذة في الانخفاض، مما يعني انخفاض عدد الشحنات في كل محطة، وبالتالي انخفاض الكفاءة والمزيد من التعثرات المالية. وإذا قدم مكتب البريد بإصلاحات، كما يسأل بعض السياسيين الآن، فإن تسليم الطرود سيصبح أكثر تكلفة. فتكاليف العمل آخذة في الارتفاع أيضاً. وهذا ليس بأمر مفاجئ في اليابان، حيث سوق العمل ضيقة النطاق. ولكن حتى في الصين، فقد يلوّح في الأفق نقص في الحجم: حيث يتطلب حجم الطرود المتزايد إلى وجود 4 ملايين موظف في الشحن السريع بحلول عام 2020, وقد أشار "غولدمان ساكس/Goldman Sachs" خلال سبتمبر الماضي أن شركة "بيست إنك/BEST Inc" اللوجستية والمدعومة من "علي بابا" عرضت طرحاً أولياً مخيباً للآمال في نيويورك، ويرجع ذلك جزئياً إلى قلق المستثمرين بشأن تكاليف العمالة، وذلك مع زيادة الضغوط التي تتعرض لها شركات التجارة الإلكترونية لتسليمها بتكلفة زهيدة، مع انتشار العملاء والمستهلكين في كل مكان، وهو ما يجعلها أقل كفاءة في توصيلها لهم مباشرة عِوضاً من المكاتب أو المحلات التجارية.

تحد آخر يتمثل في كيفية توصيل الطرود عبر الحدود الدولية. فالشركات الدولية مثل "دي اتش دل/DHL" و"فيديكس/FedEx" و"يو بي إس/UPS" تمثل تجمّعاً من شركات الطرود العالمية، وتشير التقديرات إلى أن 15 في المئة من جميع مبيعات التجارة الإلكترونية تقوم بالفعل على الشحن الدولي. فيما يتوقع بحلول عام 2020 أن تتجاوز الحصة 20 في المئة، حيث يبحث العملاء والمستهلكون عن الأسعار المنخفضة وتوسّع الخيارات المتاحة. وبطبيعة الأمر فإن شركات الطيران حريصة كل الحرص على كسب هذه النقطة، ففي العام 2014 اشترت "فيديكس/FedEx" شركة "بونغو/Bongo" المتخصصة في عمليات الشحن الدولي، لمساعدة عملائها في التزاماتهم وحمايتهم من الاحتيال.

وتقوم شركات التجارة الإلكترونية باختبار الابتكارات التي من شأنه مساعدتها في هذا الأمر. فشبكة الخدمات اللوجستية "كاينياو/Cainiao" التي تمتلك "علي بابا" أغلبيتها قد بنت المستودعات الجمركية لتمكّن لمصنعين الأجانب من تخزين السلع، معفاة من الرسوم الجمركية، داخل حدود الصين، وعلى استعداد ليتم شحنها إلى المستهلكين. وتريد "علي بابا" بناء مناطق التجارة الحرة في جميع أنحاء العالم لمساعدة الشركات الصغيرة في إجراءات التخليص الجمركي والتخزين والتمويل.

قد يبدو التشغيل الآلي إحدى الحلول الناجحة والتي من شأنها خفض التكاليف. ففي إحدى مخازن "جي دي/JD" الضخمة خارج شنغهاي، لا يزال الرجال يقومون بتشغيل الرافعة الشوكية، إلا أنه بحلول نهاية العام ستتولى الروبوتات عمل ذلك. أمازون في المقابل استخدمت الروبوتات لنقل الشحنات إلى المخازن. وتبقى الخطوة الأخيرة لأتمتة المستودعات هي قيام الروبوتات لاختيار العناصر الفردية ووضعها في أكياس أو صناديق، ولا يزال أكثر من 90 في المئة من هذا العمل يتم يدوياً. ومن المتوقع أن تقوم الروبوتات مقام الإنسان في هذه العمليات مع انتشار أجهزة التجميع الروبوتية على نطاق أوسع حيث تصبح التكنولوجيا أرخص واليد العاملة أكثر تكلفة. لاسيّما وأن خفض تكاليف الشحن قد تبدو أمراً صعباً. إن ما تحقق حتى الآن قد يساعد بشيء ما رغم تأثيره الضيئل. وبمساعدة التعلم الآلي، توقعات استمرار الطلب بناء على أنماط التسوق الماضية، والطقس وغيرها من المدخلات؛ فإنه سيتم استخدام هذه المعلومات لتحديد مكان تخزين السلع. وقد فتحت أمازون مستودعات صغيرة للمحافظة على المنتجات الشعبية، بحيث يمكن إرسالها بسرعة للمتسوقين عديمي الصبر. وتحاول الشركات أيضاً التركيز على عمليات الشحن عن طريق إرسال البضائع إلى نقاط التوصيل المركزية بدلاً من نقلها إلى منازل العملاء.

وقد استخدم تجار التجزئة منذ وقت طويل نماذج "النقر والتجميع/Click and Collect"، وعلى الرغم من سهولة جمع الطلبات عبر الإنترنت إلا انها تختلف اختلافاً كبيراً من متجر لآخر. فقد أصبحت بعض المتاجر الآن محطات للطلبات عبر الإنترنت من أطراف ثالثة. ومنذ نوفمبر الحالي سيكون لدى "فيديكس/FedEx" شبابيك لاستلام الطرود في حوالي 8 آلاف صيدلية من صيدليات "والغرينز/Walgreens" في جميع أنحاء أمريكا. أما في اليابان، فإن كلاً من "راكوتين/Rakuten" اليابانية الرائدة مجال التجارة الإلكترونية وأمازون تقومان بتوصيل الطرود إلى محلات البقالة.

انظروا، لا أيدي

أكثر الأفكار جذابة في مجال الخدمات اللوجستية تنطوي على التسليم الآلي، وفي يوم ما قد يساعد في ذلك الأمر الشاحنات ذاتية القيادة. وقد حازت أمازون على براءات الاختراع لمستودعات الطيران ومحطات شحن الطائرات بدون طيار. إلا أن كل هذه الأساليب الجديدة خلقت شكوكاً، فالعديد من الطائرات بدون طيار تحمل قطعة واحدة فقط، ثم يجب إعادة شحنها. ورداً على سؤال حول التغييرات التكنولوجية التي من شأنها خفض التكاليف؛ يشكك"سميث/Smith" من "فيديكس/FedEx" في إمكانية استخدام هذه التقنيات على المدى لخطوات التسليم الأخيرة.

مرة أخرى، تستجدّ الأمور بشكل أسرع في الصين، فقد وضعت "كاينياو/Cainiao" روبوتاً عال المستوى باسم "ليتل جي/Little G" للقيام بالخطوة الأخيرة من عملية التسليم، فيما تقوم شركة "جي دي/JD" باختبار مشابه في الجامعات. وتتوقع الشركتان إرسال شاحنات مستقلة خلال السنوات الثلاث القادمة. وفي المقابل يشكّ "وان لين/Wan Lin" رئيس "كاينياو/Cainiao" من الجدوى الاقتصادية في تقنية التسليم والشحن الآلي. على عكس "جي دي/JD" التي مازالت تمضي قدماً في هذا المجال، ففي 4 مقاطعات صينية، تطير طائرات بدون طيار في مسارات ثابتة إلى مواقع الهبوط المحددة سلفاً، ثم يحمل العامل الطرود على امتداد آخر رحلة. وتخطط  "جي دي/JD" للتوسع إلى المزيد من المحافظات وتقديم المزيد من الخدمات، فإحدى الطائرات بدون طيار يجري اختبارها لحمل ما يصل إلى 1 طن.

ومع استمرار هذه التجربة، يبقى كبار اللاعبين في هذا المجال هم الأكثر احتمالاً للفوز، مع توفر السيولة المالية اللازمة لاستثمارها في التقنيات الجديدة، وحجم المبيعات لجني الفوائد من الاستثمارات الكبيرة. وإذا كان من المحتمل ارتفاع رسوم الخدمة البريدية في أميركا، فإن "ويثربي/Wetherbee" يرى أن أمازون قد تكون هي الرابح الأكبر في هذا الأمر. فبسبب ارتفاع الرسوم، يمكن للبائعين المستقلين الذين يستخدمون الخدمة البريدية في وقت ما أن يتحولوا إلى أمازون للتعامل مع شركات التوزيع الأخرى. ولديها القدرة للمساومة أكثر مع الشركات اللوجستية مثل "فيديكس/FedEx" وشركة "يو بي إس/UPS"، حيث قامت مؤخراً بتوسيع شبكتها من شركاء الشحن والتوصيل، وذلك باستخدام كل من الشركات الإقليمية وشركات الشحن الجماعي. وهو ما سيجعل اختيار أمازون أكثر أريحية.

المصدر: الايكونوميست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.