جيمس هادلي بيلينغتون، مؤسس مكتبة الكونغرس الرقمية يفارق الحياة

الوضع الليلي الوضع المضيء

الثلاثاء، وتحديداً في الثالث والعشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) لعام 2018 م، طُويت آخر ورقة من عمر الأمين العام لمكتبة الكونغرس الأمريكي، الدكتور جيمس هادلي بيلينغتون بعد صراعٍ قصير المدى مع مرض الالتهاب الرئوي، تاركاً وراءه تسع وثمانون عاماً من سنوات حياته، وآثاراً ضخمة وبصمات عظيمة في تصميم وإنشاء المكتبة الرقمية العالمية.

شغل الدكتور جيمس بيلينغتون منصب أمين مكتبة الكونغرس منذ عام 1987 م حيث تم تعيينه من قبل رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة آنذاك وبإجماع عام من مجلس الشيوخ الأمريكي.

وعلى الرغم من تقاعده قبل وفاته بثلاثة سنوات إثر تعرضه للعديد من الانتقادات بسبب سلسلة من مواقف الفشل في إدارته للمكتبة في سنوات عمله الأخيرة، إلا أنه قد أمضى ثمانية وعشرون عاماً في منصبه لعب فيها دوراً عظيما في المحافظة على التراث الأمريكي وإثرائه.

مكتبة الكونغرس، تميّز واختلاف!

ظهرت المكتبات العامة المخصصة للإقراض في الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة عام 1731 م، على يد العالم والفيلسوف الأمريكي بنجامين فرانكلين، ومع انتشار الآلاف منها الآن في مختلف الولايات الأمريكية إلا أن مكتبة الكونغرس لا تشبهها في شيء.

فقد تم إنشاء مكتبة الكونغرس لتخدم أعضاء الكونغرس الأمريكي فقط ولم تكن مكتبة إقراضٍ أبداً، لتصبح لاحقاً كنزاً خاصاً للحكومة والعلماء، والحامية الأولى للتراث الوطني الأمريكي المكتوب والمسموع والمرئي. بالإضافة إلى وظيفة المكتبة في الإشراف على حقوق النشر في الولايات المتحدة الأمريكية.

ويبدو أن الدكتور بيلينغتون، يستشرف المستقبل البعيد والعظيم للمكتبة، حين قال أمام لجنة مجلس الشيوخ أثناء طلب مخصصاته في مارس من عام 2015 : "بعد خمسين أو مئة عام من الآن، سيقوم الأعضاء والناخبون بزيارة المجموعة الوطنية في المكتبة للقراءة وسيستفيدون من كل ما تم حفظه من منتجات إبداعية للمؤلفين والملحنين وصانعي الأفلام والفنانين وغيرهم من الأمريكيين، تماما كما يحصد مواطنوا أمريكا اليوم قيمة الأعمال الإبداعية التي تم إضافتها وحفظها على رفوف المكتبة منذ عام 1915 وحتى 1965 م".

قبل ثلاثة عقود من الآن، كانت نهضة التكنولوجيا في بداياتها، وكان يبزغ عصر جديد وغامض، في حين شبكة الإنترنت كانت ما تزال في مهدها، وأجهزة الحواسيب غير متطورة ولم يكن هناك أي شركات تكنولوجيا ضخمة كجوجل وفيس بوك وتويتر كما هو حالها الآن! والصحف المطبوعة والكتب الورقية كانت في أوج ازدهارها، أما مكتبة الكونغرس والتي كانت تحتوي آنذاك ملايين الكتب والمخطوطات التي كتبت بأكثر من أربعمئة وخمسين لغة، تنتشر على رفوف المكتبة بطول 550 ميلاً موزعة في 19 غرفة للقراءة، إلا أنها كانت مكاناً غامضاً بالنسبة لمعظم الأمريكين بما فيهم علماؤها.

لذا، فقد تحتم على الدكتور بيلينغتون أن يقود مكتبة الكونغرس إلى عصر ذهبي جديد من خلال مواكبة بداية تطور ونهضة التكنولوجيا في ذلك الوقت، فساهم في تطوير مذهل في رقمنة المكتبة المهيبة بإثرائها بالعديد من الكتب والأفلام والتحف والأفلام والمحتوى الرقمي.

باعتباره أميناً لمكتبة الكونغرس، كان الدكتور بيلينغتون مشرفاً على ما يقارب 3100 موظفاً، ومسؤولاً عن ميزانية مقدارها 600 مليون دولار، وكان المنظم الأول للعلاقات العامة في المكتبة وبطل رواية الكفاح السنوي من أجل الحصول على التمويل الكافي من أعضاء الكونغرس، كان أمين المكتبة يخطط دوماً لزيادة النفقات لتحقيق زيادة في المكاسب، مع تناقص الموظفين الذين يعملون على حل مشكلات التخزين وتأدية الخدمات فيما يختص بزوّار المكتبة.

وكما فعل أسلافه الذي شغلوا هذا المنصب المرموق، فقد كان يقع على عاتق بيلينغتون مهمة الحفاظ على أكبر موسوعة من الكتب والخرائط والمخطوطات والصور الفوتوغرافية والمطبوعات الورقية والتسجيلات الصوتية والمرئية والصور المتحركة وغيرها من الأعمال الفنيّة والثقافية في العالم، وفهرستها والحفاظ على سلامتها وإمكانية استرجاعها بالإضافة لعبء توسيع هذا الكنز الضخم، حيث تضاعف حجم محتوى المكتبة أثناء إدارة منصبه، ليصل إلى 160 مليون عنصرٍ بعد أن كان لا يتعدى 85 مليون في عام 1987 م

لقد قام هذا الرجل بعمله بشكل مذهل حقاً، حتى أن منتقدي سياسته رأوا أن هذه الزيادة في المحتوى أصبح لا يمكن السيطرة عليها حيث أصبحت عدد العناصر المضافة للمكتبة يوميا في عهده تتعدى 12 ألف عنصر جديد يوميا.

على أية حال، يبدو أن د. بيلينغتون أراد أن يعيد ابتكار مفهوم وظيفة أمين المكتبة، حيث قام بالكثير من الأمور فنسخ المواد والكتب وحولها رقمياً، وربط المكتبة مع العديد من المؤسسات التعليمية في الولايات المتحدة في عام 1991، كما استفاد من انتهاء الحرب  الباردة بإنشاء علاقات عديدة مع المؤسسات الروسية والأقمار الصناعية السوفيتية السابقة المنتشرة في أوروبا الشرقية، بالإضافة لتبادل المواد المعرفية معها ومساعدتها على إنشاء المكتبات البرلمانية.

ووصوله إلى أرشيف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي جعل د. بيلينغتون وغيره من العلماء يأملون في الإجابة على العديد من الاسئلة التاريخية المتعلقة بتلك المنطقة، مثل: " هل كان الدبلوماسي الأمريكي آلجر هيس جاسوسا لموسكو؟ كم من الناس لقوا حتفهم في حرب التطهير التي قام بها ستالين في ثلاثينيات القرن الماضي؟ ما هو سر الكرملن فيما يتعلق بأزمة برلين في الأعوام 1958 – 1961م وماهي خبايا أزمة الصورايخ الكوبية عام م1962؟ وكيف دام الاتحاد السوفيتي طويلا ثم انهار بسرعة؟" أسئلة كثيرة كان ينتظر د. بيلينغتون الأجابة عنها بشوق بعد وصوله للأرشيف الروسي!

ولادة المكتبة الرقمية وإنجازات متتابعة!

في عام 1994 بدأ د. بيلينغتون بالترويج لفكرة المكتبة الرقمية الوطنية للحفاظ على التراث الثقافي الأمريكي، فرفع ما يقارب 24 مليون كتاب ووثيقة تاريخية وبحوث متعددة لتصبح متاحة على شبكة الانترنت.

الآن يتم استخدام المواد الرقمية (وهي تعتبر جزءا صغيرا من مقتنيات المكتبة) في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتشمل مخطوطات كتبت بيد ابراهام لنكولن وتوماس جيفرسون وخطاب جيتيسبيرغ الشهير لنكلولن والعديد من الصور التي توثق الحرب الأهلية والدمار الذي ألحقه فيضان جونستاون عام 1889 وزلزال سان فرانسسكو عام 1906 الذي حدث قبل حملة شيرمان مارش الحربية.

يعد أمناء المكتبة هم الحراس الروحيون والحفظة لكل الامكانيات التكنولوجية للثقافة الرقمية، كما وصفهم بيلنغتون لجريدة المكتبة : "إنهم حماة الأحلام، إنهم حرّاس الماضي".

في عام 2005 قرر د. بيلينغتون أن يحقق حلمه في إنشاء المكتبة الرقمية، فقام بعقد شراكة مع منظمة اليونيسكو التي كانت بدورها تمتلك قاعدة بيانات من البحوث والمكتبات الوطنية ومخطوطات المؤسسات تم جمعها من جميع أنحاء العالم.

في عام 2009م تم إطلاق الموقع رسمياً ويضم أكثر من 11 ألف مادة تاريخية أثرية تم جمعها من 200 دولة، وتم التركيز بشكل خاص على الوسائط المرئية والمسموعة وعلى البودكاست والتي تم جمعها تحت إشراف د. بيلينغتون، وفي عام 1989م أنشأ السجل السينمائي الوطني الذي أضاف فيه ما يقارب 25 كل عام، في عام 2007م حصلت المكتبة على منحة مالية تقدر بـ 155 مليون دولار، من قبل ديفيد باكارد ومعهد باكراد هيومانتيز وتعتبر هذه أكبر منحة مالية تقدم للمكتبة منذ تاريخ إنشائها، حيث تم استخدام هذه الأموال لإنشاء المركز السمعي البصري الوطني في كولبيبر بولاية فيرجينيا.

تغريدات تويتر، في حوزة د. مكتبة الكونغرس!

ومع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي استحوذت المكتبة في عام 2010 على أرشيف تويتر الرقمي والذي يضم مليارات التغريدات التي تم كتابتها من جميع أنحاء العالم على شبكة تويتر المخصصة للتواصل الاجتماعي منذ إنشاء الشبكة، ومن بين هذه التغريدات، كانت تغريدة احتفالية انتخاب الرئيس باراك أوباما  عام 2008.

ويسخر د. بيلينغتون من وضع عمالقة مثل المؤرخ الإريقي ثوسيديديس في بوتقة واحدة مع جاستين بيبر وأمثاله حيث قال: "إن التغرديات ستكون ذات قيمة للمؤرخين ذات يوم، فأرشيف توتير الرقمي لديه إمكانيات هائلة لاستكشاف نمط حياتنا والبحث عن خباياها".

في سنوات عمله الآخيرة، انتقادات ومشاكل إدارية!

لم يكن د. بيلينغتون محل جدل طيلة فترة عمله في مكتبة الكونغرس، إلا أنه كان يتعرض لانتقادات عدة فيما يتعلق بتكديس المواد منذ الثمينات وحتى هذه اللحظة، وأن هذه المواد فقدت فعلياً من العالم ولا يمكنهم الوصول إليها، كما اتهمت هيئة التحقيقات في مكتب المساءلة الحكومي للكونغرس عام 2015 د. بيلينغتون بسوء إدارة نظم تكنولوجيا المعلومات في المكتبة، وتجاهل شرطاً قانونياً بما يتعلق بتوظيف كبير موظفي المعلومات. في حين كان هناك خمسة موظفين في آخر ثلاثة سنوات لا يعملون تحت مشرف مخصص ويقومون بأداء أعمالهم دون وجود سلطة كاملة لإدارة نظم المكتبة.

ورغم أن د. بيلينغتون قد دافع عن إدارته بشدة، إلا أنه لم يوفِ بوعده بوضع خطة معلومات رقمية جديدة ولم يقم بتعيين كبير موظفي معلومات دائم.

تقاعد د. بيلينغتون في تاريخ 30 سبتمبر 2015م، فرشح الرئيس الأمريكي باراك أوباما السيدة هايدن، حيث كانت تعمل ولمدة طويلة سابقا كرئيسة لنظام المكتبات في بالتيمور.

حياته الإجتماعية

ولد جيمس هادلي بيلينغتون في بنسلفانيا تحديدا في برين ماور في الأول من حزيران (يونيو) عام 1929 م، لأب يدعى نيلسون من المهاجرين الأوائل الذي هبطوا من على متن سفينة مايفلاور على أراضي أمريكا، ولأمٍّ تدعى جاين، وهي كاتبة وربة منزل.

وعلى الرغم من أن والده لم يتلقَّ تعليما جامعياً إلا أنه غرس حب التعلّم والقراءة لدى ابنه جيمس منذ طفولته، حيث درس جيمس في مدارس فيلاديلفيا العامة، والتحق بعدها بمدرسة لور ميرون الثانوية وجامعة برنستون حيث كان طالباً متفوقاً، ثم أكمل تعليمه العالي في جامعة اكسفورد بواسطة منحة رودس الفخرية وحصل على شهادة الدكتوراة في التاريخ الروسي عام 1953م لينضم بعدها إلى الجيش ويصبح ملازماً أول.

وفي عام 1957م تزوج من مارجوري آن بيرينيان، والتي قدمت له الدعم الكبير في جميع مراحل حياته معها، ولديه منها أربعة أبناء هم الدكتورة سوزان بيلينغتون هاربر وآن بيلينغتون فيشر وجيمس الثاني وتوماس، ويخلفه الآن 12 حفيداً، وظل يقطن في مكان سكنه حتى لحظة وفاته في ماكلين بولاية فرجينيا وتوفي في مستشفى سيبلي التذكاري في واشنطن.

إنجازات متعددة!

قبل أن يشغل منصبه كأمين مكتبة الكونغرس وخليفةً للمؤرخ دانييل بورستين كان عمر د. بيلينغتون 58 عاما، حيث عمل قبلها في أكثر من مؤسسة فدرالية أمريكية إضافة لكونه أكاديميًّا مرموقاً، حيث درّس التاريخ في جامعة هارفرد منذ عام 1957 وحتى 1962 م، ثم انتقل إلى جامعة برنستون حيث درّس فيها حتى عام 1974 وكان أستاذاً زائراً متفرغاً في جامعات هيلسنكي ولينين غراد وموسكو وباريس.

أصبح مديراً لمركز (وودرو ويلسون الدولي للباحثين التابع لمعهد سميثسونيان)، في الفترة ما بين 1973 – 1987 م، ثم أسس معهد كينان للدراسات الروسية المتقدمة ومعهد وويلسون كوارترلي. وحصل على أكثر من 40 درجة فخريّة.

وكان يجيد اللغة الروسية إضافة إلى إتقانه اللغة البولندية والألمانية والإيطالية والفرنسية والهولندية واللهجة اليديشية. كما كان يقدم الكثير من النصح للرئيس دونالد ريغان فيما يخص روسيا السوفيتية آنذاك.

مؤلفاته!

لقد كان د. بيلينغتون مؤرخاً بارزاً، فقد ألف 6 كتب تتحدث عن روسيا وثقافتها وتقاليدها وثوراتها هي:

  • كتاب "ميخائيلوفسكي والشعبوية الروسية" عام 1985 وهي أول سيرة ذاتية رئيسية للناقد الإجتماعي الروسي في القرن التاسع نيكولاي ميخائيلوفسكي.
  • ثم كتاب "الأيقونة والفأس: تاريخ تفسيري للثقافة الروسية" عام 1966م حيث شرح فيها عن الحياة الفكرية في روسيا منذ 1000 سنة
  • ثم كتاب "النار في أذهان الرجال: أصول الإيمان الثوري" عام 1980م.
  • وكتاب "تحول روسيا: من الانكسار إلى الأمل" ، عام 1991م.
  • ثم كتاب "وجه روسيا" 1998 واتبعه ببرنامج وثائقي تلفزيوني تم إعداده وبثه على شبكة بي بي أس.
  • وكتاب "تحليل ما بعد السوفياتية" في عام 2004.
  • وتقول عائلته أنه قد كتب مذكراته في سنوات تقاعده!

المصدر : ذا نيويورك تايمز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.