كيف نعمل على بناء الجامعات الريادية!؟

الوضع الليلي الوضع المضيء

يبدو أن لدى الجامعات والقطاع الصناعي الكثير من الأمور التي يجب تبادلها فيما بينهم وتعلمها من بعضهم البعض، بل قد تكون الشراكة فيما بينهم مفيدة لكلا الطرفين لمساعدة وتوفير خدمات للطلاب الرياديين أصحاب المشاريع الناشئة بشكل خاص.

وعلى الرغم من صعوبة الاستفادة الصحيحة من هذه الشراكة إلا أن وجود إطار تعاون منظم من جانب الجامعة مع مراعاة القيم المشتركة والمرونة والبرامج الذكية للشركات الناشئة، فإن هذه الشراكات يمكنها أن تفيد جميع المعنيين منها.

في هذه المقالة سنسلط الضوء على كيفية جعل هذه الشراكة بين القطاع الصناعي والجامعات أفضل وجعلها تتمتع بروح مبادرة أكبر.

كيف نشجع الجامعات على تطوير تعاون إيجابي مع قطاع الصناعة

ببساطة، لا ينظر شركاء القطاع الصناعي لفكرة التعاون مع الجامعات بشكل إيجابي، حيث يعتقدون أنه ليس من السهل التعاون مع الجامعات، حيث يتوقع الشركاء نماذج عمل مبسطة ولكنهم يفاجئون بأن الأمر أصعب مما تصوروه، وبالتالي يتم إيقاف التعاون، أو يتطلب جهد إضافي للتواصل مع أجزاء وأقسام مختلفة من المؤسسة، وبالتالي إرهاقا أكبر!

يجب أن تكون ثقافة رعاية الجامعات أولوية مؤسسية، نشر روبرت ريبنتسيك ورولاند كونيغسغروبر مؤخرًا تحليلًا تلخيصي للأدبيات المتعلقة بالعوامل التي تسهل التعاون بين الجامعة والصناعة ، حيث حددوا الهيكل والموظفين كعوامل حاسمة تؤثر على نجاح الشراكات.

كيف تفعل الجامعات هذا الدور

يمكن للجامعات تحسين التعاون من خلال إنشاء إطار واضح ومفهوم للشراكات الصناعية يتضمن تعيين شخص يعمل على تيسير عملية التعاون هذا يتم تخصيصه لمساعدة قادة الأعمال على فهم عمليات وتسلسل وآليات التعاون داخل الجامعة وكيفية الانتقال لمراحل خطة التعاون، هذا الأمر سيساعد الجامعة حتما على أخذ زمام المبادرة في عملية التعاون والعمل بطريقة منظمة.

يعتبر تطور التعاون بين الجامعات والصناعة في المملكة المتحدة مثالا جديراً بالدراسة، فمع المزيد من التمويل الذي يتم ضخه للبحوث ضمن دعم البرامج التعاونية، جاءت مبادرة التصنيع الابتكاري ضمن مجموعة من الشراكات الجديدة في مجال البحوث والصناعة، لكن هذه المساعي كشفت عن الحاجة لزيادة قدرة الصناعة على استيعاب نتائج البحوث الرائدة في هذا المجال، وبالتالي فإن السياسات الحديثة في المملكة المتحدة تحاول قياس تأثير الجامعات على المجتمع والاقتصاد، مع زيادة التركيز على نقل المعرفة من خلال تطوير مؤشر جديد ألا وهو إطار عمل التميز المعرفي.
أقامت بعض الجامعات كجامعة إمبريال كوليدج لندن، شراكات عميقة مع قطاع الصناعة، حيث تتعاون الجامعة حاليًا مع أكثر من ٥٠٠ شريك تقني مما ساهم بشكل كبير في توفير إيرادات البحوث الأساسية، ومن الجدير بملاحظته أن هذه العلاقات وكيفية إداراتها داخل الجامعات تستمر في التطور محققة فوائد متعددة تتجاوز التعاون البحثي، حيث يمكنهم الآن الوصول للطلاب والموظفين الموهوبين والتعاون معم بشكل أكبر ودعم الشركات الناشئة بالاستثمار في هذه الشركات والمشاركة في أنشطة المجتمع المحلي والمناسبات العامة ونشر الوعي بأهمية العلوم والهندسة والطب والفنون على المجتمعات على المدى البعيد، وقد أدى هذا التعاون لوجود آليات عمل أكثر تطورًا داخل الجامعات.

رفع سقف التوقعات عالياً

قد يُكتَب لهذه الشراكات النجاح عندما تملك الأطراف المتعاونة قيماً وأهدافاً مشتركة، لذا فمن المهم أن تتوصل الأطراف إلى إجماع يوضح كيفية قيام كلا الطرفين بخلق قيمة لهذه الشراكة وتحقيق الأهداف من خلالها.

ولكن! قد تفشل بعض الشراكات في بعض الأحيان بسبب التوقعات المختلفة لعملية النجاح أو بسبب التوقيت أو حتى بسبب الاستثمار، هناك طريقة واحدة لتفادي هذا الفشل وهي وضع خطة مشتركة للتعاون مع وجود جدول زمني واضح المعالم لكيفية التواصل ووقت تحقيق وحصد النتائج المرجوة والعمليات الداخلية لتسوية أية نزاعات قد تظهر في وقت مبكر من ولادة هذه الشراكة.
هذا الالتزام قد يضمن رؤية مشتركة بين طرفي الشراكة مع ضرورة الحفاظ على المرونة والتكيف في ظل تطور الظروف لدى الطرفين، هذا الأمر جدا مهم بشكل خاص في البحوث التعاونية، خاصة عندما تؤدي النتائج غير المتوقعة تغيير خط سير أهداف الشراكة.

المرونة أمر أساسي لنجاح التعاون، والتغييرات في المتطلبات الصناعية يعني أن خطط التعاون أيضا يجب أن تخضع للتكيف مع هذا التغيير بطريقة سريعة ومضمونة، من الضروري بناء علاقة قوية بين الشركاء، حيث أن علاقات العمل تتطلب أيضا أساسا من الثقة وفهم مصالح كل طرف ولكن يجب التحلي بالمزيد من المرونة نظراً لأن تغيّر القادة يحدث بمعدلات مختلفة في الأوساط الأكاديمية والشركات الناشئة والشركات الكبرى، حينها قد يكون من الصعب إعادة بناء الثقة والاتفاق على الأهداف المرجوة مجدداً. لذا فمن المهم أن يكون هناك إجماع استراتيجي للحفاظ على جوهر الأهداف المشتركة وتعزيز العلاقة للحفاظ على علاقة قوية طوال شراكتهما. يعد كل من برنامج الاتصال الصناعي في معهد ماساشوستس ونادي شركاء الأعمال في كلية إمبريال كوليدج نماذج جيدة
يقول رام جامبوناثان وهو المدير الإداري في SAP.iO: "يعتبر التوافق بين توقعات كل طرف في الشراكة (أي بين الجامعات والأوساط الأكاديمية وبين الشركات أو الشركات الناشئة) مفتاح بناء الثقة بل والنجاح على المدى الطويل".

ويكمل: "تركز الأكاديميات غالبا على دفع العجلة للأمام من خلال عروض إثبات المفاهيم، في حين أن الشركات تبحث عن إضافة تتماشى مع العروض الحالية أو مع عمليات التطوير الناضجة أو حركات المبيعات. وما بين هذا وذاك تقف الشركات الناشئة التي انطلقت من الجامعات وتعمل على تأسيس سوق منتجات مناسب ".
كل شراكة بين الجامعات وقطاع الصناعة ما هي إلا تجربة تعليمية، بالتأكيد يجب أن نحتفل بالنجاحات التي يتم تحقيقها، ولكننا أيضا يجب أن نتعلم أن الفشل أو الأهداف غير المتحققة تعتبر ذات قيمة، لأن التجربة يمكنها تحسين وتطوير التعاون والوصول إلى علاقات دائمة تحقق النجاح لفترات طويلة.

تبسيط الأنشطة التي تتعلق بانطلاق وبدء الشركات الناشئة

لقد تغيرت التوقعات بالنسبة للجامعات بشكل كبير على مر السنين. وكمثال على ذلك لاحظت مؤسسة نيستا للابتكار في عام ٢٠١٦ أن إدارات الجامعات تحث طلابها بشكل متزايد على مواجهة تحديات العالم الحقيقي، وفي الوقت ذاته أدى انتعاش مجال الشركات الناشئة والاستثمار في هذه الشركات إلى جذب العديد من الطلاب الذين يسعون لتطوير مهن ريادية أثناء وجودهم على مقاعد الدارسة.

قد تكافح الشركات الناشئة التي ولدت داخل حرم الجامعة من أجل بناء الفريق المناسب من المستشارين والموظفين، بالإضافة إلى التعقيدات التي قد تواجههم حول حقوق الملكية الفكرية والمخاطر المحتملة لتطوير حلول لهذه المشاكل، بحيث يمكن للجامعات مساعدة الطلاب الرياديين بازدهار أعمالهم من خلال توجيههم بشكل صحيح.

على سبيل المثال، أطلق أستاذ وبروفيسور في معهد ماساتشوستس للتقنيات مشروع مركز خدمة الارشاد في عام ٢٠٠٠ بتوظيف ذوي الاختصاص والخبرة لتقديم المشورة بشأن فكرة تحديد المفهوم أو تطوير العلامة التجارية للمنتجات وإدارة المشاريع والمساعدة في المسائل القانونية لتنظيم عمل الشركات الناشئة وتطوير عملها، في حين قامت الجامعة التقنية في ميونيخ بتخصيص فريق استشاري للعمل في مركز للابتكار وخلق الأعمال لمساعدة رواد الأعمال في بدء وتطوير أعمالهم ونشرها في سوق العمل.

هذه الإرشادات تعتبر قيمة لا تقدر بثمن ستساعد رواد الأعمال الذين يبدؤون مشاريعهم من داخل جامعاتهم على وضع حجر الأساس لشركاتهم والانتقال لسوق العمل بشكل صحيح وسلس.

من الطرق الأخرى التي تقوم بها الجامعات من أجل رعاية المشاريع التجارية الناشئة هي توفير مساحة للفرق الأخرى لقاء بعضهم البعض والاجتماع بذوي الخبرة والموجهين والشركات الكبرى للتفاعل مع العالم الخارجي وتطوير أعمالهم، ولنضرب مثالا على ذلك جامعة إمبريال كوليدج لندن التي أسست وافتتحت مركزا للترجمة والابتكار بالإضافة لتوفير مرافق ومختبرات مخصصة لتعزيز نظامها الريادي البيئي واستضافة حاضنة المشاريع البيئية الناشئة وايت سيتي، لتساعدها في تطوير المشاريع الناشئة التي تركز على تخصصات العلوم المتعلقة بالنظام البيئي والابتكار.

وأخيرا، يمكننا القول إن للجامعات اليد الطولى في مساعدة الشركات الناشئة من خلال تقديم أنظمة بسيطة تساعد على تحديد حقوق الملكية الفكرية، إما من خلال حصول الجامعة على نسبة مئوية من الأسهم في بداية المشروع مقابل استثمار مبلغ معين في المشروع، أو أن تقوم الجامعة بدعم كامل للمشروع الناشئ مع توضيح حقوق الملكية الفكرية بما يتناسب مع الوضع.

خلاصة القول: قد يكون منهج الشراكة لريادة الأعمال ذا منفعة متبادلة لكلا الطرفين سواء الجامعات، أو رجال الأعمال الذين بدأوا تحت جناح الأوساط الأكاديمية، ومع وجود الخبراء المتحمسين للمساعدة، سيكون هناك سهولة كبرى في تطوير العلاقات وبالتالي الحصول على نتائج إيجابية استثنائية.

المصدر: The World Economic Forum

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.