كيف يمكن للشركات الصغيرة أن تغيّر العالم

الوضع الليلي الوضع المضيء

يشهد الاقتصاد العالمي تراجعًا حيث تتزايد مخاطر هبوطه وسط إنخفاض معدلات النمو وسوء الأزمة المالية.

وفي الوقت نفسه، كان النمو الذي شهدته السنوات الأخيرة قد انحاز بشكل غير متناسب مع الأثرياء نسبيًّا، ممّا أدّى إلى زيادة عدم المساواة والتوتر الاجتماعي. وبعد عقود من استهداف النمو المرتفع، تحول تركيز الحكومات إلى نمو بجودة أفضل.

خلال الشهر الماضي تعهدت حكومات العالم في الأمم المتحدة،  بالنمو بطريقة سريعة وموزّعة بشكل عادل ومستدامة بيئيَا. هدف طويل الأمد - لكنّه أمر لا غنى عنه لتحقيق الأهداف العالمية الجديدة، الموضوعة من قبل الأمم المتحدة، للقضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030، وتوسيع الفرص للجميع، وحماية كوكب الأرض. وشملت الأهداف المعلنة في نيويورك  الإقرار بدور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) في تعزيز النمو والشموليّة.

شركاتٌ صغيرةُ بتأثير كبير

إن الأبحاث الجديدة من مركز التجارة الدولية (ITC) ، وهي الوكالة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ، تبرهن أن المنشآت الصغيرة ومتوسطة الحجم باعتبارها الحلقة المفقودة للنمو الشامل. ويهدف تقريرنا القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة ، الذي صدر هذا الأسبوع ، إلى تقديم إرشادات سنوية حول أفضل الجهود التي ينبغي أن تبذلها الدول لتعزيز قطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلدان.

الوظائف هي القناة الرئيسية التي يشارك الناس من خلالها في النمو الاقتصادي، أو يستبعدون. وتمثّل الشركات الصغيرة والمتوسطة، المسجّلة رسميّا أو غير المسجلة، حوالي 70 في المائة من العمالة العالمية.

تميل الشركات الكبيرة في كل مكان إلى أن تكون أكثر إنتاجية من الشركات الصغيرة. لكن الفجوة في الإنتاجية أوسع بكثير في البلدان النامية. إن انخفاض الإنتاجية بدوره يعني انخفاض الأجور وسوء ظروف العمل. هذه الفجوة الإنتاجية تبين بوجود الكثير من المساحة للتحسين.

إن تحسين إنتاجية المشاريع الصغيرة والمتوسطة يترجم إلى وظائف أفضل وأكثر ربحًا، موزّعة على قطاعات أقلّ حظًا من الاقتصاد. الشركات الصغيرة والمتوسطة قادرة على "التدويل"، سواء عن طريق التصدير أو الاستيراد مباشرة أو البيع إلى الشركات التي تقوم بذلك، وتسجيل المكاسب الإنتاجية والأجور والعمالة بشكل خاص. وبالتالي، فإن تعزيز القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة يعني العمل من أجل تحقيق النمو الشامل.

عقباتٌ أمام النمو

إن معرفة أفضل طريقة للقيام بها ليس بأمر سهل. العديد من العوامل المختلفة تعقّد المشاريع الصغيرة والمتوسّطة. في بعض البلدان، تُحرم السياسات الضريبية من النمو. وفي بلدان أخرى، لا يمكن الوصول إلى التمويل في الوقت الذي تصبح فيه الشركات كبيرة للغاية بالنسبة للمقرضين الصغار. وكثيرًا ما تجعلها الكهرباء المتقطعة والوصول المتقطع للإنترنت غير قادرة على المنافسة. إضافة إلى ذلك، فإن غلاء سعر النقل والتأخير الجمركي الطويل يمكن أن يحبط محاولات العمل عبر الحدود.

في بعض الأحيان تكمن المشاكل أكثر مع الشركات نفسها: فقد تفتقر إلى المديرين والموظفين الماهرين، أو تفشل في فهم فرص السوق، أو تكافح من أجل تلبية المعايير الدولية للصّحة والسلامة. وحتى التدويل قد لا يكون كافياً، فالمشاريع الأصغر قد تكافح من أجل الانتقال من المهام الأساسية لسلسلة التوريد، وبالتالي تخسر أكبر المكاسب.

يساعدنا منظور القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة في فهم المعوّقات الخاصّة بالبلد الأكثر ملاءمة لنجاح الأعمال من خلال تقسيمها إلى ثلاث ركائز أساسية: قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على التواصل والتنافس والتغيير. وتحلّل بشكل منهجيّ هذه المحدّدات للقدرة التنافسية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم على مستوى الشركات وبيئة أعمالها المباشرة والسياسة الوطنيّة المحليّة.

يمكن أن تكون المشاكل في أي من هذه المستويات قاتلة للقدرة التنافسية الدولية. على سبيل المثال، فإن قدرة قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدولة على توفير سلع عالية الجودة في الوقت المناسب وبطريقة فعّالة من حيث التكلفة هي وظيفة من قدرات الشركات نفسها، ولكن أيضًا وجود نظام للتأكيد على أن منتجاتها تلبّي المعايير الدوليّة، كاعتبارات على المستوى الكليّ مثل إجراءات الجمارك السريعة. وبالمثل، تتشكّل قدرة الشركات الأصغر على استيعاب المعرفة والتكيّف مع قوى السّوق المتغيّرة على مستويات متعدّدة ، من معدّلات انتشار الإنترنت للوصول إلى التمويل.

وستساعد هذه النتائج الحكومات وشركائها على تحديد نقاط الضعف الأكثر تضرراً بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مما يمهّد الطّريق لإصلاحات ذات أهداف جيدة. لهذا نسأل، لماذا الاستثمار بكثافة في البنية التحتية لاتصالات باهظة الثمن عندما ما تحتاجه الشركات حقا هي الحسابات المصرفيّة؟

شركات جيدة لكن بيئتها سيّئة

من بين الأمور التي يمكن استخلاصها من التقرير، أنّ الشركات الأصغر في جميع أنحاء الدول النامية، تتفوّق بشكل كبير على الشركات الكبيرة من حيث استخدام الإنترنت للاتصال بالعملاء. وفي البلدان النامية غير الساحليّة، لا يوجد حاجة لأن تقترن الحواجز الجغرافيّة أمام الأسواق في البلدان افتراضيّة، حيث تكون معدّلات التوصيليّة الإلكترونيّة بين أدنى المعدلات في العالم.

وثمّة فكرة أخرى هي أن الشركات القادرة على تنظيم المشاريع يمكن أن تتدهور بسبب بيئة الأعمال والسياسات السيّئة. وفيما يتعلّق بالقدرات على مستوى الشركات وحدها، فإن الشركات الأصغر في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تعدّ من  القادة، المتفوقة بذلك على نظرائها في البلدان النامية الأخرى. الشركات متوسطة الحجم في المنطقة تتناسب مع المعدل العالمي. لكن الشركات الصغيرة والمتوسطة في أمريكا اللاتينية نادراً ما تكون أكثر قدرة على المنافسة من نظيراتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، بسبب القيود في بيئة الأعمال. في الوقت نفسه ، قد ترغب الحكومات في جنوب آسيا ومنطقة المحيط الهادئ في إلقاء نظرة فاحصة على الشركات نفسها.

لا يمكن حلّ مشاكل المستوى الكليّ بين عشية وضحاها. قد تكون عمليات الانتصار السريعة قابلة للتحقيق على المستوى المحلي والقطاعي، لا سيما من خلال الوكالات العامّة ورابطات الصناعة التي تلعب دوراً حاسماً في مساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاتصال بالتجارة والاستثمار الدوليين.

وعندما يكون الاقتصاد العالمي مزدهراً، لا يستطيع النمو أن يشمل الكثير من البلدان والناس. لا توجد إجابات سهلة لتحقيق النمو المستدام. لكننا نعرف الآن أكثر عن جعله شمولياً.

المؤلّفة: أرانشا غونزاليز، المديرة التنفيذيّة لمركز التجارة الدولّية


المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.