كيف تحولت نيويورك إلى مدينة تقنية!

الوضع الليلي الوضع المضيء

تعتبر نيويورك الوطن الأم لآلف من الشركات الوليدة وتحتل المنطقة المرتبة الثانية في منطقة خليج سان فرانسسكو  في جذب رؤوس الأموال الاستثمارية والتي تعد شريان الحياة للاقتصاد الناشئ .

عندما بدأ إيوان روبرتسون عمله مع فريق التطوير الاقتصادي في مدينة نيويورك كانت بوادر السوء تلوح في الأفق. ففي يوم الإثنين 15 سبتمبر 2008 أعلن بنك ليمان براذرز عن إفلاسه مما تسبب بانفجار الأزمة المالية.

عند انتشار خبر الإفلاس وجد السيد روبرتسون نفسه في سباق مع كبار المستشارين في مكتب البلدية في اتجاه غرفة الاجتماعات للقاء بالعمدة مايكل بلومبرغ.

"لم يعرف أحد ما الذي سيحدث أو ما مدى سوء الأزمة"، يتذكر السيد روبرتسون. "لكننا اتفقنا على ضرورة بذل قصارى جهدنا للتوصل إلى خطة في أسرع وقت ممكن".

بعد التداول والنقاشات نجح المجتمعون في بلورة خطة تدعو إلى تطوير الشركات التكنولوجية الناشئة والعاملين في مجال التكنولوجيا في مدينة نيويورك. أما الهدف، كما وضح السيد روبرتسون، فقد كان يتمحور حول "بناء محرك للمواهب" من شأنه أن يساعد في تحويل المدينة إلى مركز جذب للمبرمجين والشركات.

بعد مرور ما يقارب العقد من الزمان يتضح توافر الكثير من الأدلة التي تشير إلى ثبات المدينة في طريقها نحو تحقيق هذا الهدف. وعلى الرغم قرار شركة أمازون المفاجئ الأسبوع الماضي بالتخلي عن خطتها لبناء حرم جامعي كبير في كوينز بسبب احتجاجات بعض السياسيين المحليين والناشطين في المجتمع المحلي، الأمر الذي اعتبره البعض نكسة قد تضر بالوضع الاقتصادي للمدينة ولكنها لن تعكس مسار التطور التكنولوجي الذي تشهده المدينة.

وكانت "أمازون" قد وظفت بالفعل 5000 عامل في نيويورك، أما عن السبب الرئيسي الذي جعلها تختار هذه المدينة في شهر نوفمبر لبناء منشأتها فقد صرحت أن سعة المواهب التي تمتاز بها نيويورك هو الذي شجعها على الانتقال للاستفادة من المهارات التنقية الناشئة. ولكن في ديسمبر تفاجأ الجميع بإعلان شركة غوغل عن توسع كبير يمكن أن يضاعف من قوة العمل في نيويورك إلى 14000 خلال العقد المقبل دون الحوافز الحكومية المعززة التي كان من شأنها أن توفر الدعم والحصانة لصفقة أمازون.

في الوقت الحالي أضحت المدينة موطناً لآلاف الشركات الناشئة، كما أنها تحتل بانتظام المرتبة الثانية بين مناطق الساحل الشرقي في مجال جذب رأس المال المغامر، وتعتبرشريان الحياة للاقتصاد الناشئ. كما أصبح قطاع التكنولوجيا في المدينة منبعاً لوظائف يدفع فيها أكثر من 150000 دولار في المتوسط​​، الأمر الذي جعلها جزء أساسي من الاقتصاد المحلي. إن قصة ارتقاء التكنولوجيا في نيويورك تمتد إلى ما يقارب العقدين من الزمان. وقد امتازت هذه القصة منذ البدايات بمرورها في الكثير من الممرات الوعرة، حيث شهدت قصة التكنولوجيا في هذه المدينة الكثير من النجاحات بالإضافة إلى المحاولات الفاشلة أيضاً، إلا أن التقدم من خلال التصميم والصدفة كان الميزة الأبرز لهذه التجربة.

في أوائل عام 2000 تجمعت الشركات الناشئة في فلاتيرون في مانهاتن، وهذه المنطقة أصبحت لاحقا ما يطلق عليها سيليكون فالي
(الصورة من قبل الصحفي تشيستر هيجينز لصالح مجلة نيويورك تايمز)

من التجارب البارزة والجديرة بالذكر في هذه المدينة شركة DoubleClick وهي إحدى الشركات الناجية من كارثة انهيار شركات الدوت كوم، والتي تحولت إلى واحدة من رواد الإعلان الرقمي، بالإضافة إلى شركة قوقل التي راهنت منذ بداياتها على المدينة. كما ساهم اتخاذ إدارة بلومبرج إجراءات سياسية ذكية في الارتقاء بالوضع الاقتصادي للمدينة. وقد كان جديراً ذكر هذه التجارب الثلاث التي لعبت دوراً بارزاً وأساسياً في ارتقاء التكنولوجيا في مدينة نيويورك وتحولها إلى مدينة تقنية.

وقد ترسخت التكنولوجيا في نيويورك بشكل رئيسي لأن رواد الأعمال والتقنيين والشركات اختاروها كمكان للعمل والعيش، في نفس الوقت الذي كانت المنشآت الصناعية في المدينة تشهد تحولات رقمية بارزة ومتصاعدة، وذلك وفقاً للمقابلات التي أجريت مع أكثر من 24 شخصية ساهمت في تحويل المدينة إلى مركز للتكنولوجيا.

يقول سيث بينسكي، رئيس مؤسسة التنمية الاقتصادية في مدينة نيويورك في الفترة من 2008 إلى 2013: "في الحقيقة، لقد تمكننا من اللحاق بموجة".

من الجدير بالذكر أن العديد من الوظائف التقنية في المدينة ليست في مجال الشركات التكنولوجية، معظم هذه الوظائف مرتبطة بالصناعات التي لطالما جعلت المدينة تحتل مكانة رائدة على مستوى العالم، مثل التمويل والإعلان والإعلام. فعندما بدأت هذه الشركات تواجه مخاطر نتيجة ظهور العصر الرقمي، وجدت أن الحل الأمثل للنجاة يكمن في اللحاق بالموجة والتكيف مع المنافسة، وقد ساعدت هذه النظرة على تنشيط اقتصاد المدينة وفي نفس الوقت حماية العديد من الشركات من الإفلاس. ووفقا لشركة Emsi الرائدة في مجال البحث في سوق العمل فإن عدد الوظائف التكنولوجية في الصناعات غير التقنية في نيويورك يبلغ الضعف عما هو الحال عليه في الشركات التكنولوجية.

يشير الاقتراح السري الذي قدمته نيويورك إلى شركة أمازون، والذي حمل اسم مشروع كلانسي، والمليء بالبيانات التفصيلية عن القوة العاملة في المدينة وسوق العمل، إلى التغييرات التي طرأت على الوضع الاقتصادي في المدينة خلال الفترة الماضية. فعلى سبيل المثال، عندما سألت أمازون عن الشركات التي حظيت بأكبر قدر من فرص العمل في التعلم الآلي، والتي تعتبر المهارة الأساسية في الذكاء الاصطناعي. كانت الشركات الأربعة الأوائل حسب الاقتراح هي: جي بي مورغان تشيس، وغولدمان ساكس، وسيتي جروب، وكي بي إم جي. وقد تعادل في المرتبة الخامسة كل من أمازون قوقل.

وعلى الرغم من تدفق عمال التكنولوجيا المهرة إلى نيويورك من كل مكان، إلا أن محرك المواهب المحلي الذي سعى مسؤولو المدينة إلى إطلاقه قبل عقد من الزمن بدأ ينهض. على سبيل المثال يضم حرم كورنيل تيك الجديد للدراسات العليا في جزيرة روزفلت، والذي يعتبر أحد منتجات خطة التنمية المحلية، 300 طالب، مع خطط للتوسع تسمح بضم 2000 طالب على مدى العقدين المقبلين. وهناك دورات جديدة، ومباني ومعاهد بحثية جارية في جامعة كولومبيا وجامعة مدينة نيويورك.

وقد شملت الخطة عوامل جذب للطلاب والشركات تتمثل بتوفير وسائل الراحة الحضرية - مثل المتاحف والمسارح ودور الأوبرا والرقص ونوادي الجاز والمعارض الفنية والبارات والمطاعم - التي توفر بديلاً واضحًا لحياة وادي السليكون في الضواحي.

"إن المصدر الرئيسي في التكنولوجيا هو الأشخاص الأذكياء"، يقول كيفين رايان، وهو رجل أعمال تقني قديم. "إن قطاع التكنولوجيا في نيويورك ينجح إلى حد كبير لأن نيويورك تنجح."

تاريخ نيويورك التقني العريق

أي شخص يقوم اليوم بتصميم أجهزة أو كتابة رموز أو استخدام جهاز كمبيوتر أو هاتف ذكي مدين للابتكارات التي تم تطويرها في مدينة نيويورك منذ عقود. حيث أن أول لغة برمجة تم اعتمادها على نطاق واسع، وهي لغة Fortran، تم إنشاؤها في عام 1957 من قبل مبرمجين شباب كانوا يعملون لحساب شركة آي بي إم في مكتب صغير في شارع شرق 56. كانوا يملؤن وقت فراغهم خلال فصل الشتاء بتقاذف كرات الثلج في سنترال بارك. أما عن الباحثين في مختبرات بيل، التي تقع في مانهاتن، ثم انتقلت إلى ضواحي نيو جيرسي، فقد نجحوا في اختراع الترانزستور، ونظام التشغيل يونكس، ولغات البرمجة C و ++C ، وهي لبنات البناء في الحوسبة الحديثة.

في نهاية المطاف هاجر الابتكار التكنولوجي خارج نيويورك. بدأ صانعو أجهزة الكمبيوتر الصغيرة بالبروز في ضواحي بوسطن. لكن الحركة الأكبر كانت باتجاه الغرب، حيث بدأت في أواخر الستينيات من القرن العشرين، عندما ترسخت الشركات المصنعة لأشباه الموصلات في بادئ الأمر، ثم ترسخت صناعة الكمبيوتر الشخصي فيما بعد في شمال كاليفورنيا المشمس.

فتحت الطفرة على الإنترنت في التسعينيات الباب أمام رجال الأعمال في نيويورك، وخاصة في مجال الإعلام الجديد، مع مشاريع مثل Feed and Suck، ومجلات ويب شهيرة.مما أتاح الفرصة أمام الشركات الناشئة للتجمع ومباشرة العمل في منطقة فلاتيرون في مانهاتن، وهي منطقة تعرف باسم "سليكون فالي" أو وادي السليكون.

عندما أصبح موقع Globe.com ،الذي يعتبر أول موقع للتواصل الاجتماعي، متاحاً للعامة في أواخر عام 1998، ارتفعت حصته بأكثر من 600 في المائة، وهو رقم قياسي في ذلك الوقت. ولكنه سرعان ما تعرض للانهيار مثل الكثير من الشركات المبتدئة في سيليكون فالي، عندما انفجرت فقاعة dot-com بعد ذلك بعامين.

وفي وسط فوضى انهيار دوت كوم، كان هناك رهان مناقض على المدينة، لم يلاحظه أحد في ذلك الوقت، من قبل شركة ناشئة: قوقل.

صعود قوقل

في أواخر صيف عام 2000، تأهل تيموثي أرمسترونغ البالغ من العمر 29 عامًا، للعمل كخبير في مجال الإنترنت. وقد ساعد السيد أرمسترونغ في إنشاء الكثير من المشاريع التي أصبح فيما بعد مديرًا كبيرًا على سلسلة واسعة منها، وكان قد نجح خلال فترة قصيرة بتحقيق سجل حافل من مبيعات الإنترنت والتسويق عندما التقى مع أوميد كردستاني، رئيس المبيعات في Google.

كانت الشركة تتطلع إلى التوسع، لذا قام السيد كردستاني بترتيب لقاء بين السيد أرمسترونغ ومؤسسي قوقل، لاري بيدج وسيرجي برين، في سيليكون فالي.

يذكر السيد أرمسترونغ أن اتجاه التفكير في قوقل كان يميل نحو العمل في مجال الإعلانات، فلم تكن الشركة تسعى فقط إلى الترويج لنفسها من خلال شركة الإعلان التابعة للسيد أرمسترونج. حيث رأت أن أموال الإعلانات تكمن في مدينة نيويورك. في نهاية اللقاء وقع أرمسترونغ عقدًا من صفحة واحدة بدون ضمانات.

يقول أرمسترونج: "لقد فكرت حينها، إذا لم تنجح المحاولة، فلا ضرر ولا مخالفة".

وبذلك أصبح أرمسترونج أول موظف لـ Google في نيويورك، حيث كان يعمل من شقته في شارع West 86th . لم تكن الشركة في الثانية من عمرها بعد، وكان ازدهار الإنترنت قد بلغ ذروته، في حين كانت الوكالات الإعلانية وشركات المنتجات الاستهلاكية متشككة بشأن عروض الشركة الناشئة التي تقدم: إعلانات نصية مرتبطة بنتائج البحث.

عندما أراد السيد أرمسترونغ شراء جهاز فاكس للتعامل مع طلبات الإعلانات والفواتير. قال له السيد بايج والسيد برين إنهما يريدان رؤية الأوامر قبل الموافقة على الشراء.

ويتذكر قائلاً: "هذا هو مدى عدم اهتمام الناس بالإعلانات عبر الإنترنت".

لكن الطلبات أخذت بالتزايد تدريجياً، لتصبح حجر الزاوية في أعمال الشركة المزدهرة. تبع ذلك توسع قوة عمل Google في نيويورك.

في عام 2003، أراد كريج نيفيل مانينج، عالم الكمبيوتر في Google، إنشاء مركز أبحاث هندسية وبحوثية في نيويورك. لم يكن لدى قادة الشركة آمال كبيرة، بافتراض وجود أفضل مهندسي البرمجيات في السيليكون فالي. لكنهم أخبروه أنه يستطيع المضي قدمًا إذا استطاع العثور على موهبة "جديرة بالاهتمام من Google" في نيويورك - وقد فعل ذلك، حيث وظف 25 شخصًا في السنة الأولى.

كانت كورينا كورتيس ،الباحثة في مختبرات Bell، واحدة من أوائل المجندين. انضمت إلى Google للبدء في إنشاء ذراع بحث في نيويورك. كانت السيدة كورتيس تعيش في القرية الغربية، ولديها طفلان، لذا رحبت بفرصة العمل في مجال علوم الكمبيوتر المتقدمة في Google مع الاحتفاظ بأسلوب الحياه الذي اعتادته في المدينة من المسارح والأوبرا في مركز لينكولن والمطاعم في قرية جرينتش وسوهو ومسارات الركض على طول نهر هدسون والسنترال بارك. فقد كانت تسمتع بالجري في سباقات المدينة حيث أكملت ماراثون مدينة نيويورك 14 مرة بالإضافة إلى تفضيلها الذهاب إلى مركز عملها بواسطة الدراجة.

"لم يكن هناك مجال للذهاب إلى ماونتن فيو"، قالت السيدة كورتيس، التي تقود الآن نحو 200 عالم من الباحثين في قوقل في نيويورك. "لم أكن أريد العيش في الضواحي."

بحلول عام 2006، كانت قوقل، في تلك اللحظة محبوبة السيليكون فالي، قد بدأت تستقر في المدينة بطريقة ملفتة، حيث انتقلت إلى مبنى آرت ديكو في تشيلسي. نظراً لحاجتها المتزايدة إلى المساحة لاستيعاب الموظفين الذين يبلغ عددهم اليوم 7000 عامل، أكثر من نصفهم هم فنيون.

لذا ففي ديسمبر الماضي، أعلنت الشركة أنها ستنفق مليار دولار على مساحة مكاتب إضافية في وسط مانهاتن.

أما عن علاقة Google بعاصمة الإعلانات فقد تم تعزيزها في عام 2007، عندما أعلنت Google أنها ستشتري DoubleClick مقابل 3.1 مليار دولار.

كان لشركة DoubleClick، ​​(وهي شركة تعمل في خدمة الإعلانات عبر الإنترنت، وتتبع وتحليل البيانات) والتي بدأت في نيويورك في عام 1996، تكنولوجيا جيدة، بالإضافة إلى ارتباطها بعلاقات وثيقة مع المعلنين ووكالات الإعلان والناشرين عبر الإنترنت. في ذروتها في عام 2000، وصلت الشركة إلى سوق الأسهم بقيمة 12 مليار دولار، مما ساعدها على الثبات بعد انهيار دوت كوم.

في عام 2005، استحوذت شركة الاستثمارات الخاصة على DoubleClick بمبلغ 1.1 مليار دولار، وبعد عامين، مع تحسن حظوظها، دفعت Google ما يقرب من ثلاثة أضعاف هذا المبلغ.

يقول السيد أرمسترونغ، الذي ترك قوقل كنائب رئيس أول في عام 2009 ليصبح الرئيس التنفيذي لشركة أمريكا أونلاين "لقد وجدنا الألماس الحقيقي في رماد احتراق دوت كوم".

يقول راندال روتنبرغ، الرئيس التنفيذي لمكتب الإعلان التفاعلي التابع لأحد لاتحادات التجارية: "عندما اشترت قوقل دبل كليك بدأت الثورة الحقيقية، كان ذلك نقطة انعطاف لأعمال الإعلانات الرقمية في نيويورك."

قادة التغيير

في أوائل عام 2009، ومع تضاؤل ​​اقتصاد المدينة، بدأ فريق صغير في إدارة بلومبرج تحليلاً شاملاً، أطلقوا عليه اسم "قادة التغيير". أجرى الفريق مقابلات مع المئات من المدراء التنفيذيين، وأصحاب رؤوس الأموال المغامرة، والخبراء الحضريين والأكاديميين. بهدف دراسة النمو الاقتصادي المدفوع بالتكنولوجيا في وادي السليكون وفي تجمع الشركات الناشئة في إسرائيل في حيفا.

وخلص التحليل إلى أن نيويورك بحاجة إلى المزيد من الخبرة في مجال هندسة الكمبيوتر. كانت المدينة رائدة على مستوى العالم في مجال التمويل والإعلام والدعاية والقانون والاستشارات. ألا ينبغي تطوير التقنية لهذه الصناعات هنا؟

بعد هذا المشروع أطلقت إدارة بلومبرغ على سياستها الخاصة بتعزيز التكنولوجيا مصطلح "العلوم التطبيقية".

يقول روبرت ستيل، نائب رئيس البلدية السابق للتنمية الاقتصادية: "كان هذا هو شعارنا، ما كنا نعتقد أنه لبنة البداية لتغيير الاقتصاد". ويضيف مؤكداً أن "والعلوم التطبيقية هي المفتاح لجعل العالم الرقمي الجديد هنا بدلاً من أي مكان آخر."

من هنا بدأت المدينة بتطوير تجارب العلوم التطبيقية، بما في ذلك حاضنات الشركات الناشئة، وفعالية التشبيك، وبرامج التدريب، تقريبا في جميع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ولكن الخطوة الأكبر في حملة العلوم التطبيقية في المدينة كانت في إنشاء مدرسة جديدة للدراسات العليا تركز على التكنولوجيا والابتكار في مجال المشاريع.

حيث أجرى السيد بلومبرغ والسيد ستيل مسابقة رفيعة المستوى شملت جامعة كولومبيا وجامعة نيويورك وجامعة كارنيجي ميلون. والتي فاز نهايتها عرض مشترك من كورنيل ومعهد تكنيون-إسرائيل للتكنولوجيا.

وقد احتضن مقترح كورنيل تك بشكل كامل أولوية إدارة بلومبرج لمزج العلوم والصناعة. فكانت مشاريع طلاب الدراسات العليا في الشركات المحلية عماد المنهج الدراسي.

يقول دانيال هوتنلوشير، عميد شركة كورنيل تك، الذي عمل في وادي السليكون وهو أيضاً عضو في مجلس إدارة أمازون: "في نيويورك، يواجه الناس مشكلات حقيقية يمكن حلها باستخدام التكنولوجيا. أما في سليكون فالي فقد أصبح تراثنا يتجه نحو تطوير تقنيات رائعة ثم تحديد ماهية تحقيق الربح من ورائها".

دولاب الموازنة بدأ بالدوران

في مراكز التكنولوجيا الفعالة، تولد شركات ناشئة من شركات ناشئة أخرى. وقد كان هذا هو النمط السائد في وادي السليكون منذ الأيام الأولى لصناعة الرقاقات، على سبيل المثال هذا ما حدث مع اللاجئين الرياديين الشباب العاملين من مختبر شوكلي لأشباه الموصلات والذين انتقلوا فيما بعد إلى شركة فيرتشايلد لأشباه الموصلات وشركة إنتل في وقت لاحق.

أما في نيويورك، فقد بدأت العاجلة الفاضلة لتكاثر الشركات الناشئة بالتسارع حديثاً في السنوات الأخيرة فقط. وقد استغرق الأمر بعض الوقت، كما يقول رواد الأعمال والمستثمرون، بالنسبة لمجتمع التكنولوجيا في نيويورك، من أجل بناء قصص النجاح والشبكات البشرية والثقة بالنفس الضرورية لإلهام أخذ المخاطرة بالتسلسل.

مرة أخرى، أصبحت DoubleClick رائدة، حيث تحولت إلى ساحة تدريب لأصحاب المشاريع في نيويورك. أبرزهم كيفين رايان، الرئيس التنفيذي السابق لشركة DoubleClick. والذي انتقل فيما بعد لتأسيس ست شركات، بما في ذلك شركتين للتجارة الإلكترونية، Gilt Groupe و Zola ؛ بالإضافة إلى موقع إخباري تجاري على الإنترنت Business Insider ؛ وشركة قاعدة بيانات MongoDB.

السيد ريان، ابن أحد المدراء في شركة كاتربيلر، تربى في الغرب الأوسط وأوروبا عندما تم تعيين والده للعمل في الخارج. تخصص في الاقتصاد في جامعة ييل، وحصل على درجة الماجستير في جامعة إنسيد في فرنسا، وعمل في وول ستريت، كما ساعد في تطوير موقع دلبرت في عام 1995، كمدير في الشركة الإعلامية إي. دبليو سكريبس.

في العام التالي ،انتقل السيد ريان إلى العمل في مجال اقتصاد الإنترنت الناشئ، لينضم إلى DoubleClick كواحد من أول عشر موظفين في الشركة، في البداية كرئيس للشؤون المالية ثم في منصب الرئيس التنفيذي. غادر DoubleClick في عام 2005، أي قبل عامين من شراء Google لها.

"جئت إلى نيويورك لأنها مدينة دولية"، يقول السيد ريان. "بقيت لأنني اعتقدت أنها ستكون مدينة تكنولوجية أيضًا."

ولكن العامل الأخير كان قد استغرق بعض الوقت. وقد كان مستثمرو التكنولوجيا غالبًا ما يشيرون عليه للبدء في إنشاء الشركات في وادي السليكون، خاصةً عندما قام هو واثنان آخران من خريجي DoubleClick، ​​ دوايت ميريمان وإليوت هورويتز، بتأسيس MongoDB برنامج تطوير قواعد بيانات في عام 2008. والذي نما ببطء في البداية، لكنه تحول إلى نجاح تجاري ومالي فيما بعد. ليبلغ سعر السهم فيه 100 دولار أمريكي، مقارنة بسعره المبدئي البالغ 24 دولارًا عندما تم الإعلان عنه في أكتوبر 2017. أما الآن فيبلغ سعره أكثر من 5 مليارات دولار.

يعتبر احتضان الفشل كمختبر تعليمي ميزة أخرى للاقتصادات الحيوية الناشئة. فقد رأى السيد ريان ذلك عن قرب مع Gilt Groupe.

نجح Gilt، موقع التجارة الإلكترونية المتخصص بعرض السلع الفاخرة في مبيعات العروض على الإنترنت، في جمع الكثير من المال، والنمو بسرعة، إلا أنه سرعان ما تعرض للانهيار. في عام 2016، تم بيعه إلى Hudson’s Bay، الشركة الأم لساكس فيفث أفنيو، مقابل 250 مليون دولار، أي أقل من المبلغ الذي تطلبه تمويل المشروع.

يقول السيد ريان: "لم نتوصل أبداً إلى كيفية إنشاء تجارة مربحة من مبيعات العروض - لا أعتقد أن أي مستثمر في هذا المجال قد وجد الحل”. في العام الماضي، تم بيع شركة Gilt إلى Rue La La، وهو موقع للتجارة الإلكترونية، مقابل جزء صغير من الثمن الذي دفعه Hudson’s Bay.

ولكن في عام 2013، أخذت مجموعة من خريجي Gilt، بما في ذلك السيد ريان، ما تعلموه من مشروعهم السابق لينطلقوا في مشروعهم الجديد Zola، وهو موقع لتنظيم مناسبات الزفاف. منذ انطلاق الموقع حتى الآن تم استخدام خدمة تسجيل الهدايا بالإضافة إلى الخدمات الأخرى التي يوفرها من قبل أكثر من نصف مليون مستخدم من المقبلين على الزواج، ونجحت الشركة الناشئة بتحقيق 100 مليون دولار كأرباح في أيار / مايو الماضي.

"عندما نخرج إلى الشارع الآن فإن جل ما نسمعه طوال الوقت هي المناقشات حول المنتجات التقنية".

شان-لين ما، مؤسسة زولا، تعبر عن إعجابها بمدى تغير المشهد التكنولوجي منذ انتقالها إلى المدينة قبل عقد من الزمان

وقد أدى هذا النجاح السريع إلى زيادة رواتب الموظفين في زولا ثلاث أضعاف في العامين الماضيين فقط، ليشمل 155 موظف، ثلثهم من النساء. تضم الآن هذه الشركة الناشئة فرق عمليات في أقسام التمويل والتسويق والترويج والخدمات اللوجستية في مكاتبها في مانهاتن السفلى. ومع ذلك، فإن أكبر فريق عمل، بمقدار ربع الإجمالي، هو فريق الهندسة.

بالنسبة لـ Zola، فإن نيويورك تتيح إمكانية الوصول إلى المواهب والخبرات في قطاعات الأزياء والتصميم وشركات البيع بالجملة في المدينة. وقد عبرت الشريكة المؤسسة والرئيسة التنفيذية، شان-لين ما، خريجة كلية الاقتصاد في جامعة ستانفورد. ومديرة سابقة في ياهو عن إعجابها بمدى تغير المشهد التكنولوجي منذ انتقالها إلى المدينة قبل عقد من الزمان.

"إن أكثر ما يثير دهشتي هو العدد الهائل من الناس المنخرطة في المجال التكولوجي ومقدار الخبرة لديهم في التكنولوجيا الآن"، تقول السيدة ما. "عندما نخرج إلى الشارع الآن فإن جل ما نسمعه طوال الوقت هي المناقشات حول المنتجات التقنية".

الانجذاب إلى المدينة

عندما تخرجت ماريا صموئيل من معهد جورجيا للتكنولوجيا مع شهادة في هندسة النظم الصناعية والتقنية، تم توظيفها من قبل شركة أبل و قوقل. وقد كانت ماريا قد أظهرت مهارة في الترميز منذ الصف التاسع باستخدام سبع لغات برمجة. كما عملت كمتدربة في وكالة ناسا في هيوستن مع فريقمن العلماء في التخطيط لمهمات المريخ.

لكن في عام 2015 قبلت السيدة سامويل عرضًا من غولدمان ساكس للانضمام إلى البنك الاستثماري.

وهي تعمل الآن كمديرة إنتاج مع فريق لتطوير برنامج لتحليل السوق، والتواصل والتداول مع العملاء، انطلاقاً من نظرتها إلى الأسواق المالية كنافذة إلى الصناعات والأسواق والسلوك. تقول "كل يوم، أجد نفسي في عملية تعلم مستمرة”.

بعد الأزمة المالية، تخلى الخريجون من ذوي المهارات الحوسبية عن وول ستريت لصالح سيليكون فالي. لكن لم يعد الأمر كذلك، حيث بدأ اقتصاد التمويل يجتذب المواهب الشابة والخبراء التكنولوجيين المحنكين. في العام الماضي، على سبيل المثال، نجح جي بي مورغان تشيس في استقطاب أبورف ساكسينا، أحد كبار المسئولين التنفيذيين ومدير إنتاج في Google، لقيادة برنامج الذكاء الصناعي الخاص بتطوير المنتجات في البنك، ومانويلا فيلوسو من جامعة كارنيجي ميلون لرئاسة فريق بحث متخصص في مجال الذكاء الصناعي.

بالنسبة للسيدة صموئيل، البالغة من العمر 25 سنة، كانت الوظيفة جذابة، بالإضافة إلى أجواء المدينة. حيث تعتبر نيويورك مركزاً لاستقبال الكثير من الطموحات الشابة بما في ذلك أصدقاء الآنسة صموئيل القادمين سعياً لبدء حياة معنية ناجحة. وتصف الآنسة صموئيل، التي اعتادت على الغناء في كورال ومجموعة كابيلا في الكلية، نفسها بأنها "مهووسة كبيرة بمسرح برودواي"..

بالنسبة للخريجين الجدد، يعتبر الانهيار المالي الذي حدث قبل عقد من الزمان ذكرى ماضية. اليوم، لم يعد وول ستريت محط الهجوم من قبل النشطاء، بل أصبحت الشركات التقنية الكبرى، مثل فيسبوك و قوقل تتعرض لنيران الاتهام والتشكيك. خاصة بعد وضعها للنماذج التجارية التي تستند إلى جمع بيانات المستخدمين والإعلانات المستهدفة، مما أثار موجة من المخاوف العالمية بشأن الخصوصية والأخبار الكاذبة.

ولكن أيضاً سرعان ما تحولت أزمة الشركات التقنية الكبرى إلى فرصة توظيف لصالح بعض الشركات المنافسة، كما حصل مع ران مارتن شافيز، الشريك الرئيسي في غولدمان ساكس، وعالم الحاسوب الذي يحمل شهادة دكتوراه من جامعة ستانفورد. حيث صرح خلال أحد فعاليات التوظيف بأن “قوقل وفيسبوك قد أسهما بتقديم الكثير من التطورات في المجال التقني” ثم أضاف بسرعة: "إذا كنتم تريدون العمل على الإعلان، فهذا هو المكان الذي يجب أن تذهبوا إليه. أما إذا كنتم تريدون استخدام الرياضيات والبرامج لحل القضايا الصعبة لصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الأخرى، فيجب أن تنضموا إلى Goldman Sachs ".

مع نمو قطاع التكنولوجيا في نيويورك، يأمل صانعو السياسة والمسؤولون التنفيذيون في توسيع نطاقه إلى ما وراء مانهاتن والأجزاء الغنية من بروكلين. وقد شهد فريد ويلسون، وهو مستثمر لمشروع رأسمالي في نيويورك لأكثر من ثلاثة عقود، علامة تحذيرية في الاحتجاجات في لونغ آيلاند سيتي وكوينز، بسبب الأخبار التي تمت إثارتها حول رغبة أمازون في الانتقال هناك.

يقول السيد ويلسون عن المجتمع: "هذه الاحتجاجات نتجت جزئياً من الإحساس أن انتقال أمازون إلى هذا الجزء من المدينة لن يكون في صالح العامة، بل من الممكن أن يؤدي أيضاً إلى زيادة تكاليف المعيشة". "ولكن لتحقيق النجاح في نيويورك، يجب أن تمتد فوائد قطاع التكنولوجيا إلى كل حي".

كانت ديبورا استرين أول عالمة حاسوب من خارج جامعة كورنيل تنضم إلى كلية كورنيل للتكنولوجيا في عام 2012. حيث درست الآنسة إسترين في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، ولم تكن تحلم بالانتقال. إلا أنها غيرت رأيها عندما قرأت مقترح كورنيل تك وتركيزه على على التكنولوجيا التطبيقية.

تقول السيدة إيسترين إن ميزة نيويورك تتمثل في كثافة العاملين في الصناعات الأخرى التي تعمل على حل المشاكل ذات البعد التقني.

وتضيف: "إذا كنت تقوم بتطوير تقنية تنقية - شريحة فائقة السرعة أو برامج أنظمة متقدمة - فإن وادي السليكون لا يزال هو المكان المناسب". "ولكن عندما يتعلق الأمر بأي شيء آخر، فإن لدى نيويورك فرصة حقيقية لتكون المكان المناسب! ".

المصدر : ذا نيويورك تايمز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.