كيف انهار بيت إليزابيث هولمز؟

الوضع الليلي الوضع المضيء

اكتشف نيك بيلتون، خلال تحقيق مثير هزّ مجال التقنية الحيوية ضدّ شركة ثيرانوس، أن مؤسستها تحدّت الخبراء وحتى كبار العلماء حول مدى صحة تقنية اختبار الدم التي فقدت مصداقيتها في الآونة الأخيرة. وقد قامت ببناء شركة في كنف السرية آملة في أن تستطيع تحقيق النجاح. لكن، سرعان ما انهار كل شيء.

غرفة الحرب

كان الوقت متأخرا من صباح يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول، عندما أدركت إليزابيث هولمز أنها لا تملك خيار آخرا. كان عليها في نهاية المطاف مخاطبة الموظفين لديها في شركة ثيرانوس، وهي شركة ناشئة لاختبار الدم أسستها هولمز حينما كانت تبلغ من العمر 19 سنة وذلك بعد انقطاعها عن مزاولة تعليمها في جامعة ستانفورد. وتجدر الإشارة إلى أن الشركة تقدّر قيمتها الحالية بحوالي 9 مليار دولار. وقد أدان تقرير نُشر في صحيفة "وال ستريت جورنال"، قبل يومين، هذه الشركة مدعيا أنها مزيفة وأن التكنولوجيا الأساسية التي تعتمدها تحتوي على عدد من النواقص فضلا عن أن ثيرانوس أدارت جلّ اختبارات الدم تقريبا باستخدام معدات منافسيها.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير هزّ وادي السيلكون خاصة وأن هولمز أصبحت تعدّ أصغر مليارديرة عصامية في العالم وأكثر شخصية تحظى بإشادة من العالم أجمع. كما أثارت مدى صحة رواية الصحيفة فضول شركة ماسترد أند غرين في مدينة بالو ألتو من ولاية كاليفورنيا، التي اقتربت من نهاية فترة تجديدها للمقرّ والتي كلّفت حوالي 6.7 مليون دولار.

ووفقا لمصادر مطّلعة، فإن هولمز، التي تبلغ الآن 32 سنة، رفضت مواجهة هذه الاتهامات وعوضا عن ذلك، ظلت متحصّنة داخل قاعة المؤتمرات، محاطة بدائرة معارفها الضيقة. وقد تناثرت عبوات الطعام نصف الفارغة وأكواب القهوة والعصير على الطاولة خلال الفترة التي قضّتها وهي تخطط لتشكيل "كتيبة" من المستشارين الموثوق فيهم، من بينهم؛ راميش بلواني، رئيسة شركة ثيرانوس ومديرة العمليات، هيذر كينغ والمستشار العام للشركة فضلا عن محامين من شركة بويز وشيلر وفليكسنر للمحاماة، بالإضافة إلى مستشارين مختصين في إدارة الأزمات.

وقد ظلّ معظم هؤلاء الناس في غرفة الحرب هناك لمدة يومين وليلتين على التوالي، ووفقا للمطلعين على بواطن الأمور، فإنهم غالبا ما يتركون المكتب فقط للاستحمام أو لمحاولة النوم لبضع ساعات. وتجدر الإشارة إلى أن هولمز لطالما فضّلت الحفاظ على درجة حرارة لا تتجاوز الستين درجة وهو ما سهّل عليها ارتداء زيها اليومي الذي يتمثّل في كنزة صوفية سوداء اللون وسترة منتفخة لها نفس اللون كانت قد اقترضتها في وقت سابق من قدوتها، ستيف جوبز.

والجدير بالذكر أن هولمز تعلّمت الكثير من جوبز حيث كانت شركة ثيرانوس، مثل أبل، تعمل في كنف السرية حتى داخل الشركة نفسها. وفي حين أن جوبز اشتُهر بإصراره على إنشاء مجمّع شركة أبل في شارع يدعى 1 إنفينيت لوب وذلك حتى تظلّ أقسام الشركة في عزلة بعيدا عن باقي المجمعات والشركات، قرّرت هولمز منع موظفيها من التواصل مع بعضهم البعض حول المهامّ التي يقومون بها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الثقافة أسفرت عن معرفة غير محدودة بالأمور التنفيذية.

كانت هولمز هي المؤسسة والمديرة التنفيذية ورئيسة شركة ثيرانوس حيث لم يكن هناك قرار، بداية من عدد الأعلام الأمريكية الموجودة في مدخل الشركة (مع العلم أنه بالإمكان العثور عليهم في كل مكان) وصولا إلى التعويضات التي تخصّ كل مُؤجّر، لم تمرّ من مكتبها. وقد أبدت هولمز اهتماما كبيرا بقصة شركتها، تماما كما فعل جوبز. لم تكن شركة ثيرانوس ببساطة تسعى إلى بيع المنتجات وإخراجها من الرفوف ومن ثمّ تحويلها إلى جيوب المستثمرين. بدلا من ذلك، كانت تحاول حتى الآن القيام بشيء مؤثّر.

وقد أكّدت هولمز خلال المقابلات التي أجرتها، أن تكنولوجيا شركة ثيرانوس تقوم على استخراج الدم عن طريق وخز طرف الإصبع عوضا عن استخراجه من الوريد حيث أنه سيكون بالإمكان عبر هذه التقنية إجراء مئات الاختبارات لمختلف الأمراض. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الابتكار المذهل كان سينقذ حياة الملايين، وفي عبارة لطالما كانت هولمز ترددها، كان سيؤدّي إلى "تغيير العالم". وفي هذا السياق، حظي طموح هولمز بإعجاب الكثيرين خاصة في ظلّ قطاع التكنولوجيا الذي تحتلّه تطبيقات تسليم المواد الغذائية التي لا تعد ولا تحصى. كذلك زيّنت هولمز أغلفة مجلات فورتشن، فوربس وغيرها من المطبوعات. كما كتبت نبذة عن حياتها في مجلة نيويوركر وظهرت في مجلة تشارلي روز. في الوقت نفسه، جمعت هولمز ثروة بلغت حوالي 4 مليارات دولار.

وكان مراسل الرعاية الصحية في صحيفة وول ستريت جورنال، جون كاريرو أحد الصحفيين الذي بدوا غير متأثرين بهذه القصة حيث كان كاريرو متفاجئا بعمل الشركة الذي كان يدور في كنف السرية حيث اعتبر أن هذه السرية متوقّعة من شركات التكنولوجيا وليس من الشركات الطبية. علاوة على ذلك، صُعق كاريرو بقدرة هولمز المحدودة على شرح كيفية عمل الشركة التي أسستها. وعندما سأل مراسل نيويوركر عن التكنولوجيا التي تعتمدها ثيرانوس، ردّت، بشكل غامض إلى حد ما، أنه "يتم تنفيذ الكيمياء بحيث يحدث تفاعل كيميائي ليولّد إشارة نتيجة التفاعل الكيميائي مع العيّنة، التي تتحول فيما بعد إلى نتيجة، ثمّ تتمّ مراجعتها من قبل عاملي المختبر المعتمدين".

 بعد فترة وجيزة من قراءة المقال، شرع كاريرو في التحقيق حول الممارسات الطبية التي تعتمدها شركة ثيرانوس. كما اتّضح أن هناك جانب مخفي لقصة ثيرانوس لم يظهر للعلن، ويشمل هذا الجانب إجراءات ونتائج المختبر المشكوك فيها، فضلا عن عدّة أمور أخرى. وبعد فترة وجيزة من بداية كاريرو كتابة تقاريره، زار المحامي المشهور والعضو في مجلس إدارة ثيرانوس، دايفيد بويز، الذي تحدّى بيل غيتس سنة 1990 ومثّل آل غور خلال قضية إعادة فرز الأصوات في فلوريدا سنة 2000، غرفة أخبار المجلة بهدف عقد اجتماع دام خمس ساعات. وفي وقت لاحق، عاد بويز للقاء رئيس تحرير الصحيفة جيرارد بايكر. لكن المجلة نشرت في نهاية المطاف، تحديدا في 16 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 2015، مقالا تحت عنوان: الشركة الناشئة ثيرانوس تصارع مع تكنولوجيا اختبار الدم.

وبعد مضيّ يومين داخل غرفة الحرب، ووفقا للعديد من المصادر المطلعة، سمعت هولمز عدّة استراتيجيات مختلفة للردّ على ما جاء في المقال. وقد كان الاقتراح الأكثر إقناعا يدعو إلى تجنيد أعضاء المجتمع العلمي للدفاع علنا عن شركة ثيرانوس، التي يتكوّن اسمها من مزيج من "العلاج" و"التشخيص". ولكن تجدر الإشارة إلى أنه لا يستطيع أي عالم أن يكفل بمصداقية شركة ثيرانوس، كما أن الشركة السرية منعت، تحت إشراف هولمز، علماء آخرين من كتابة مقالات ووثائق حول التكنولوجيا المستخدمة.

وفي ظلّ غياب الخطة، شرعت هولمز في تضييق الخناق على روايتها وغادرت غرفة حرب، وجعلت نفسها في كثير من الأحيان محاطة بفريقها الأمني، الذي كان يتكوّن مما لا يقل عن أربعة رجال، الذين، لأسباب تتعلق بالسلامة، لطالما أشاروا إلى رئيسة مجلس الإدارة الشابة برمز "إيغل1". وتجدر الإشارة، إلى أنها لطالما كانت تسافر بمفردها على متن طائرة مُصممة من قبل شركة غولف ستريم حيث تُقدّر قيمتها بحوالي 6.5 مليون دولار. وقد سافرت هولمز في وقت لاحق إلى بوسطن لحضور مأدبة غداء في ظهور تم تقريره في وقت سابق في مجلس كلية الطب بجامعة هارفارد للخريجين، حيث سيتم تكريمها باعتبارها إحدى المنتميات لهذه الجامعة.

خلال الرحلة، اتصلت هولمز بمستشاريها في غرفة الحرب وقررت بمعيّة فريقها إجراء مقابلة مع المذيع في قناة سي أن بي سي، جيم كريمر، الذي كانت تربطها به صداقة يعود تاريخها إلى مقابلة سابقة. وقد تم ترتيب هذه المقابلة بسرعة فائقة.

استهلّ كريمر المقابلة عبر سؤال هولمز حول ما حدث. فأجابت هولمز، التي تتحدث ببطء وروية، بطريقة مختلفة عن تلك التي يعتمدها جوبز "هذا ما يحدث عند العمل على تغيير بعض الأمور". وقالت، وهي تظهر بشعرها الأشقر الطويل الأشعث، وابتسامتها المضخّمة بسبب أحمر الشفاه "أولا يعتقدون أنك مجنون، ثم يحاربونك، ثم، فجأة، تقوم بتغيير العالم". وعندما سأل كريمر هولمز، بحثا عن إجابة مقتضبة إما بنعم أم لا، حول الاتهامات الموجودة في التقرير، رّدت هولمز بطريقة حاسمة وملتوية في آن واحد مُستخدمة 198 كلمة.

وبحلول الوقت الذي عادت فيه هولمز إلى بالو ألتو، كان الإجماع على أن الوقت قد حان، أخيرا، لمخاطبة مئات الموظفين. اجتمع عدد من الفنيين الذين يهتمون بالبريد الإلكتروني للشركة فضلا عن المبرمجين وطاقم من الموظفين المساندين لهم داخل الكافيتيريا. وهناك بدأت هولمز، وكان إلى جانبها بلواني، بتقديم خطاب فصيح يتماشى مع نوع صوتها "الباريتون" موضحة لزملائها المخلصين أنهم بصدد تغيير العالم. وقد أصبحت هولمز أكثر حماسا، عند مواصلة حديثها، مما دفعها إلى القول أن الصحيفة نشرت قصة خاطئة. وقد أصرت، بنبرة يسودها الغضب، أن كاريرو كان يرغب ببساطة في انتقاء معركة ما، ثم أعطت الكلمة لبلواني الذي لم يتوان على التعبير عن نفس المشاعر التي ساقتها هولمز خلال الخطاب.

وبعد أن قاموا بتغطية الاتهامات التي طالتهم، توجه المسؤولون في ثيرانوس إلى الموظفين وقاموا بتفقّد الغرفة. فجأة، بدأ الموظفون بالصراخ  وأطلقوا عبارات من قبيل "تبا لك" وذلك في إشارة منهم إلى كاريرو. وواصلوا استخدامهم لعبارة "تبا لك كاريرو" ولكن هذه المرة بصوت أعلى. وقد انضم إليهم موظفو المختبر والمبرمجون مرددين بحماسة: "تبا لك كاريرو"

اللعبة

كل شركة في وادي السليكون لها قصة قد تشبه الخرافة تتعلق بظروف نشأتها ومهامها بهدف استقطاب المستثمرين والصحافة وحتى الزبائن. وقد توفر هذه القصص مادة دسمة فريدة من نوعها داخل وادي السيليكون. على الرغم من أن وادي السيليكون هو المسؤول عن بعض الشركات المذهلة حقا، إلا أن تعاملاتها التجارية يمكن أن تولّد لعبة ثقة كبيرة يتظاهر خلالها أصحاب المشاريع، وأصحاب رؤوس الأموال، ووسائل الإعلام في مجال التكنولوجيا بفحص بعضهم البعض، في حين أنهم في الواقع، يعملون مثل العجلات الموجودة في الأجهزة التي تم تصميمها لا لتشكك في أي شيء وإنما لجعل غيرها من الشركات موجودة على الساحة لأطول فترة.

هذه هي المعادلة التي عادة ما يتبعها أصحاب المشاريع: إن الرأسماليين (معظمهم من الرجال من البيض) لا يعرفون حقا ما يفعلونه مع عدم وجود الثقة خاصة وأنه من المستحيل توقع ما هو الشيء المقبل الذي سيكون له أثر كبير، لذلك هم يراهنون بالقليل على كل شركة آملين في أن تكون هي الشركة الرابحة. أما رجال الأعمال (معظمهم أيضا من الرجال البيض) كثيرا ما يعملون على الكثير من الأشياء التي لا معنى لها، مثل استخدام الرموز بهدف نقل الزبادي المجمد بسرعة أكبر أو إنشاء تطبيقات تسمح لك بقول "يو!" (وفقط "يو!") إلى أصدقائك. عادة ما يمجد رجال الأعمال جهودهم بالقول إن ابتكارهم يمكن أن يغير العالم، وهو ما من شأنه أن يكون سببا في استرضاء أصحاب رؤوس الأموال، نظرا لأنه بإمكانهم الادعاء أن هدفهم الأساسي ليس فقط جني المال. وهذا يساعد أيضا على إغواء الصحافة في مجال التكنولوجيا (التي تتألف في معظمها من الرجال البيض)، والتي غالبا ما تكون على استعداد للعب لعبة الوصول مقابل حصولهم على أكبر عدد من المشاهدات حول قصتهم التي تتعلق بالشركة التي تسعى إلى تغيير العالم عن طريق إيصال الزبادي المجمد إلى المزيد من الزبائن في أسرع وقت. وتجدر الإشارة إلى أن المكافآت المالية تتحدث عن نفسها. فقد ساهم وادي السيليكون، الذي تبلغ مساحته حوالي 50 ميلا مربعا، في خلق المزيد من الثروة أكثر من أي مكان في تاريخ البشر. في النهاية، فإنه ليس في مصلحة أحد أن يدعو ذلك بالهراء.

عندما ظهرت إليزابيث هولمز على الساحة التكنولوجية، سنة 2003، كانت لها قصة جيدة نظرا لكونها امرأة. لقد كانت بصدد بناء شركة تهدف حقا إلى تغيير العالم. كانت تبلغ من العمر 19 سنة، ذات شعر أسود، وتدرس في السنة الأولى في شعبة الهندسة الكيميائية في جامعة ستانفورد. كما كانت تظهر امرأة عملية جدا حيث ذكرت أنها لا تزال تحفظ عن ظهر قلب مقاطع من رواية جاين أوستين، ورسالة أرسلتها إلى والدها عندما كانت في التاسعة من عمرها تقول فيها بإصرار كبير إن "ما أريده حقا من الحياة هو اكتشاف شيء جديد، شيء تعتقد البشرية أنه لا يمكن القيام به". وأشارت إلى أن هذه الغريزة، إلى جانب الخوف من الإبر منذ الطفولة هما اللذان دفعاها إلى بناء شركتها الثورية.

كانت هولمز تتقن بالفعل لعبة وادي السليكون. كما أنها لطالما كانت تحترم أصحاب رؤوس الأموال مثل تيم درابر وستيف جيرفيتسون حيث كان مارك أندرسون يلقبها بستيف جوبز القادم. ظهرت هولمز على أغلفة المجلات، وفي البرامج التلفزيونية، كما لطالما كانت تتم دعوتها إلى إلقاء كلمة افتتاح مؤتمرات التكنولوجيا (ألقت هولمز كلمة الافتتاح في قمة المؤسسة الجديدة التي أطلقها موقع فانيتي فير لسنة 2015، حيث ظهرت قبل أقل من أسبوعينعن صدور القصة الأولى للصحفي كاريرو في صحيفة الجورنال). انعكست المحبة الشاملة التي حظيت بها هولمز على شخصيتها الرائعة وعلى تصرفاتها. وأخيرا، كان يبدو ذلك واضحا أنها كانت امرأة مبتكرة قادرة على تجسيد رؤية لنفسها، وشخصا كان يسعى إلى جعل العالم مكانا أفضل.
كانت قصة هولمز أكثر تعقيدا. فقد صرّح أحد معارف هولمز في ذلك الوقت، أنه عندما راودتها فكرة تأسيس شركة ثيرانوس، التي تهدف في نهاية المطاف إلى تخزين كميات هائلة من البيانات عبر استخراج بضع قطرات من الدم من الإصبع، اتصلت بعدد من أساتذتها في جامعة ستانفورد. ولكن نظرا لتخصصها في مجال الهندسة الكيميائية، بدا أنه من المستحيل تقريبا لشركتها أن تنجح. وفي هذا السياق، أعلمها أستاذ الطب في جامعة ستانفورد، فيليس غاردنر، "أنه لا يعتقد أن هذه الفكرة سوف تنجح".

كما أوضح غاردنر، أنه من المستحيل الحصول على نتيجة دقيقة اعتمادا على طرف الإصبع في معظم الاختبارات التي تطالب ثيرانوس بإجرائها بدقة خاصة وأنه عندما يتم وخز الإصبع، تتكسر الخلايا بسبب انغماس الإبرة بالجلد، مما يؤدّي إلى وصولها إلى السائل النسيجي. وعلى الرغم أنه من الممكن اختبار أسباب الأمراض بهذه الطريقة، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على هذه الطريقة بهدف الحصول على نتائج أكثر دقة.

وعلاوة على ذلك، لن تكون هناك الكثير من البيانات الموثوقة التي من الممكن استخراجها اعتمادا على كمية صغيرة من الدم. ولكن هولمز كانت مصرة على جعل ذلك ممكنا. وبدلا من التخلي عن الفكرة، قالت إنها حاولت إقناع مرشدها في جامعة ستانفورد، تشانينج روبرتسون، بدعم فكرتها. وهذا بالضبط ما فعله. وفي تصريح للمتحدث باسم شركة ثيرانوس، قال إنه "من الطبيعي أن يواجه اختبار استخراج الدم عن طريق الإصبع شكوكا عديدة". وأضاف أن "براءات الاختراع في تلك الفترة من شأنها أن تشرح الأفكار التي استنبطتها إليزابيث خاصة وأنها كانت ضرورية للتقنيات الحالية التي تعتمدها الشركة".

جمعت هولمز لاحقا تمويلا تقدر قيمته بحوالي 6 مليون دولار قبل أن تجمع فيما بعد مبلغا يقدّر بحوالي 700 مليون دولار. وتجدر الإشارة إلى أن المال غالبا ما يأتي مع قيود يفرضها وادي السيليكون، ولكن على الرغم من هذه الشروط البيزنطية، كانت هولمز كانت غير عادية.

قبلت هولمز المال شريطة أن لا تكشف للمستثمرين كيفية عمل التكنولوجيا التي ابتكرتها، وأن تكون لها الكلمة الفصل في كل جوانب شركتها. وعندما حاولت شركة جوجل فانتشرز، التي تركز أكثر من 40 في المائة من استثماراتها في مجال التكنولوجيا الطبية، الظفر باستثمار في شركة ثيرانوس لم تلق أي رد من الشركة.

في نهاية المطاف، قررت شركة جوجل فانتشرز إرسال شخص إلى مقر شركة ثيرانوس حتى يخضع إلى اختبار سحب الدم الجديد. وعندما لاحظ أنه تم سحب الكثير من القوارير الملآنة بدمه، أصبح من الواضح أنه أن شركة ثيرانوس بدأت تخل بوعودها.

وتجدر الإشارة إلى أن شركة جوجل فانتشرز لم تكن المجموعة الوحيدة التي لديها معرفة بمجال اختبارات الدم والتي أحست بهذه الطريقة. كان إيان غيبونز، وهو عالم بريطاني بارع متحصّل على عدد كبير من الشهادات العلمية من جامعة كامبريدج وأمضى 30 سنة في العمل على المنتجات التشخيصية والعلاجية، أول التعيينات التي قامت بها هولمز في الشركة. كان غيبونز طويل القامة ووسيما وذو شعر بني وعينين زرقاوين، وقال إنه لم يمتلك قط زوجا من الجينز. كما كان يتحدث بلكنة بريطانية. وفي سنة 2005، عيّنته هولمز كبير العلماء.

واجه غيبونز، الذي تمّ تشخيصه بمرض السرطان بعد وقت قصير من انضمامه للشركة، العديد من المشاكل المرتبطة بالعلم داخل شركة ثيرانوس مما دفعه إلى الاعتقاد أن ما سعت هولمز إلى تحقيقه كان أقرب إلى الفكرة من الواقع. ومع ذلك، أراد جيبونز القيام بجميع المحاولات الممكنة واستنفاذ كل الخيارات. لذلك، لسنوات، وبينما كانت هولمز تستثمر مواهبها في جمع الأموال، وتوظيف المئات من المسوقين ومندوبي المبيعات والمختصين في الاتصالات، وحتى المخرج الحائز على جائزة الأوسكار إيرول موريس، الذي كُلّف بإخراج أفلام وثائقية قصيرة، كان جيبونز يستيقظ في وقت باكر ويُنزّه كلابه بالقرب من منزله، ومن ثم يتوجه إلى عمله قبل الساعة السابعة صباحا. وبعد الانتهاء من عمله، كان غيبونز يقرأ "أنا كلوديوس"، وهي رواية تدور أحداثها حول رجل يلعب دور الأبكم ليصبح عن غير قصد أقوى شخص على وجه الأرض.

وبينما كان غيبونز يسعى جاهدا إلى التوصل إلى حل لكسب ثقة الناس من جديد، كانت هولمز تقدم شركتها لمزيد من المستثمرين والشركاء المحتملين وكانت تقوم بذلك وكأن شركتها جاهزة للعمل. كما قامت بتزيين كل من مقر وموقع الواب الخاص بالشركة بشعارات مثل "قطرة واحدة ستغير كل شيء". وفي سنة 2012 على سبيل المثال، بدأت هولمز بالتحدث مع وزارة الدفاع حول إمكانية استعمالهم لتكنولوجيا ثيرانوس في معاركهم في أفغانستان لكن عددا من الخبراء في وزارة الدفاع أكدوا أن التكنولوجيا ليست دقيقة كما ينبغي. كما أن إدارة الغذاء والدواء لم توافق على هذه التكنولوجيا. وعندما أبلغت إدارة الغذاء والدواء صحيفة واشنطن بوست عن وجود خلل ما، اتصلت هولمز بجيمس ماتيس وهو جنرال في البحرية الأمريكية وأول من وضع أسس المشروع. وقام ماتيس بالاتصال بزملائه لكي يقوموا بتحسين المشروع على الفور. وعندما تقاعد ماتيس من البحرية الأمريكية، تم إلحاقه بمجلس الإدارة. (قال ماتيس إنه لم يرد التدخل في رأي إدارة الغذاء والدواء، بل أراد أن يتم اختبار تقنيات الشركة بصفة قانونية وأخلاقية).

وفي نفس الفترة تقريبا، قررت ثيرانوس رفع دعوى قضائية ضد ريتشارد فويز، وهو صديق وجار سابق لعائلة هولمز، التي ادعت أنه قام بتسريب أسرار تتعلق بثيرانوس. ومع التقدم في القضية، أصدر محامو فويز مذكرات استدعاء للمديرين التنفيذيين لثيرانوس والذين لهم علاقة بالملكية القانونية للتكنولوجيا بما في ذلك، إيان غيبونز. لكن غيبونز لم يرد الإدلاء بشهادته وأخبر المحكمة أنه إن لم تنجح التكنولوجيا، فمن الممكن أن يلحق الضرر بالناس الذي يعملون معه وإن لم يكن صادقا، فإن ذلك سيمثّل خطرا على صحة أولئك الذين سيستخدمون التكنولوجيا، مما قد يؤدي إلى وفاتهم.

وفي الوقت ذاته، لم تبد هولمز استعدادها لتحمل مقاومته على الرغم من أن غيبونز كان قد حذر من أن التكنولوجيا لم تكن جاهزة. أما هولمز فقد كانت على استعداد لاستفتاح مركز "ثيرانوس والناس".

وقد أخبرتني زوجة غيبونز، روشال، إن "إيان قد شعر أنه قد يفقد وظيفته إذا ما قال الحقيقة حيث كان بمثابة عقبة حقيقية في طريق إليزابيث. لذلك، حاولت أن  تبقيه صامتا. أما شانين روبستون، فقد قال إن إيان كان قد أخبره أن المشروع جاهز ليتم تسويقه.

بعد بضعة أشهر، وتحديدا  في 16 أيار/مايو من سنة 2013، كان غيدونز في قاعة الجلوس مع زوجته روشال، فرن هاتفه وكان المتصل إحدى مساعدي هولمز. قال غيدونز لزوجته "تريد إليزابيث أن تلتقي بي غدا، هل تعتقدين أنها ستطردني؟" أما روشال التي قضت وقتا طويلا مع إليزاببث، فهي تدرك أنها تريد أن تفرض سيطرتها. لذلك أخبرت زوجها أنها قد تطرده. وفي وقت لاحق من نفس اليوم، حاول غيدونز الانتحار، إذ كان يشعر بتوتر شديد. وبعد أسبوع، عندما كانت زوجته بجانبه، توفي إيان غيدونز. وعندما اتصلت روشال بمكتب هولمز لإبلاغها بما حصل، عبرت السكرتيرة عن أسفها وقدمت تعازيها الحارة،  وأخبرتها أنها ستعلم هولمز فورا بوفاة غيبونز. لكن بعد ساعات، وبدل تلقي رسالة تعزية، تلقت روشال مكالمة هاتفية من أحد موظفي ثيرانوس، طالبها فيها بأن تقوم، فورا، بالتخلي عن كل ممتلكات ثيرانوس السرية.

المنفذ

تحدثت هولمز خلال إجرائها للمئات من المقابلات مع وسائل الإعلام، عن قصتها وكأنها قصة مثالية وتحدثت عن أنها لم تلعب بالدمى عندما كانت صغيرة وعن والدها، كريستيان هولمز الرابع، الذي عمل في مجال التكنولوجيا البيئية لفائدة شركة إنرون قبل أن يتولى مناصب عليا في واشنطن. وقالت إن والدها كان المثل الأعلى بالنسبة لها، مثله مثل ستيف جوبز. وكان لها قدوة أخرى، فهي قد اختارت اسم "أديسون" لجهاز تحليل الدم وذلك تيمنا بتوماس أديسون. أما عند اختيار أثات مكتبها، فقد اختارت كراسي من الجلد الأسود لأنها المفضلة لدى ستيف جوبز. واتبعت أيضا حمية شبيهة بتلك التي كان يعتمدها جوبز؛ فقد كانت تشرب عصائر خضراء غريبة (تتكون من الخيار والبقدونس، واللفت، والسبانخ، والخس، والكرفس). وتشرب هذه العصائر في وقت محدد من اليوم.

ويقال إن هولمز عادة ما تقضي معظم وقتها في المكتب ولا تغادره إلا نادرا، فحتى عند احتفالها بعيد ميلادها، قامت بتنظيم حفلة في مقر شركة ثيرانوس واحتفلت به مع الموظفين الآخرين. (يعمل شقيقهولمز، كريستيان، أيضا في ثيرانوس)

لكن السمة الأهم التي اقترضتها من جوبز هي هاجس السرية. فقد كان له قوة أمنية تحرص على أن لا يتم تسريب أي معلومة سرية متعلقة بالشركة. أما هولمز فقد كان لها "منفذ" واحد وهو راميش بلواني. وكان بلواني قد عمل لفائدة  لوتس ومايكروسوفت، لكن لم يكن له أية خبرة في المجال الطبي، إلا أنه سرعان ما أصبح مسؤولا عن التقنيات الطبية السرية للشركة.

ووفقا لعدد من المصادر المطلعة، تعرف بلواني على هولمز قبل سنوات من إنشاء الشركة. فقد تعرفا على بعضهما عندما كانت هولمز في الصين بعد تخرجها من المدرسة الثانوية. وبعد فترة، أصبحت تربطهما علاقة غرامية، وهو ما أخبرني إياه عدد كبير من الناس. وبقيا مخلصين لبعضهما البعض حتى بعد انتهاء العلاقة.

عندما شكك العاملون في ثيرانوس في مدى دقة تكنولوجيا تحليل الدم، كان بلواني عادة ما يعاتبهم من خلال إرسالهم رسائل الكترونية. وكان دائما ما يقول "على هذا الأمر أن يتوقف". وكان دائم الحرص على أن لا يتحدث الموظفون عن تفاصيل العمل مع بعضهم البعض. كما أن الموظفين الجدد الذين يتم استدعائهم لمقابلات شغل، لا يتم اطلاعهم على وظيفتهم الجديدة إلا بعد أن يتم توظفيهم بصفة رسمية. أما الموظفون الذين تحدثوا علنا عن الشركة فقد واجهتهم تهديدات قانونية. فقد كتب أحد العالمين في ثيرانوس على حسابه في موقع "لينكد إن" قائلا "لقد عملت في هذه الشركة، لكن كلما تحدثت عما نفذته خلال عملي هناك، تصلني رسالة من محام ما. وقد تصلني رسالة أخرى الآن بعد أن كتبت هذه الأسطر". كما أنه يتم إجبار زائري الشركة على التوقيع على اتفاق مطول، ويتم منع أولئك الذين يرفضون الإمضاء من الدخول.

أما قلة خبرة بلواني في المجال الطبي، فهي لم تمثل عائقا في الشركة. فعند تعيين هولمز لأعضاء مجلس الإدارة، اختارت مجموعة من الرجال البيض الكبار في السن. ولم يكن لأي منهم خبرة في مجال الرعاية الصحية. وقد كان وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر ونائب جورجيا السابق سام نان ووزير الدفاع السابق ويليام بيري من بين أولئك الذين اختارتهم ليكونوا على رأس الشركة. وقد أخبرني أحدهم أن مجلس الإدارة ذاك كان مناسبا لاتخاذ قرار احتلال الولايات المتحدة للعراق بدل الخوض في تجارب طبية.

ولم يكن لمجلس الإدارة أي قدرة على طرح أسئلة حول ما تقوم الشركة بإنشائه أو كيفية قيامها بذلك. لكن آخرين تمكنوا من ذلك. فبينما كانت هولمز تتجول حول العالم في طائرة خاصة، وتتحدث في الإعلام جنبا لجنب مع بيل كلينتون، وتقدم خطابات مؤثرة في إطار "تيد توكس"، كانت هناك منظمتان حكوميتان تقومان بالتدقيق في عمل الشركة. وفي 25 آب/أغسطس سنة 2015، أي بعد بضعة أشهر من نشر التقرير في وول ستريت جورنال، قام ثلاث محققين تابعين لإدارة الغذاء والدواء بزيارة فجئية لمقر شركة ثيرانوس الواقع في "بايدج ميل روود". كما تم إرسال محققين آخرين لمختبر تحليل الدم الواقع في نيووارك من ولاية كاليفورنيا وذلك لتفقد المرافق التي يتم استخدامها.

ووفقا لشخص مقرب من الشركة، دخلت هولمز في حالة من الذعر حينها وقامت بالاتصال بعديد المستشارين على أمل إيجاد حل للمسألة. وفي نفس الوقت، قام منظمون من طرف مراكز الرعاية الصحية والخدمات الطبية، والتي لهم مهمة تنظيم عمل المختبرات، بزيارة تفقدية لمختبرات ثيرانوس. وقد وجد المنظمون أن هناك عديد التجاوزات والأخطاء في الاختبارات التي يتم القيام بها والتي تجرى على المرضى. وتجدر الإشارة إلى أن مدير مخبر نيووارك لم تكن له تجربة مخبرية كافية. كما تم أيضا اكتشاف عدم دقة عديد الاختبارات التي تقوم بها مخابر ثيرانوس، الأمر الذي قد يلحق الضرر بالمرضى ويسبب لهم نزيفا داخليا أو سكتة دماغية. كما أنه تبين أن ثيرانوس كانت تتجاهل بعض النتائج الخاطئة رغم علمها بذلك. وبينما كانت الحكومة تدقق في ملفات وبيانات ثيرانوس غير الدقيقة، كان كاريرو يحاول معرفة المزيد عن القصة، ليس لأنه مدونا في مجال التكنولوجيا فقط، بل لأنه محقق يريد معرفة التفاصيل. فقد عمل لفائدة وول ستريت جورنال منذ سنة 1999 وقام بتغطية عديد المواضيع بما في ذلك الإرهاب في أوروبا وعديد المواضيع السياسية الأخرى. ثم عاد إلى نيويورك أين تولى العمل على قسم الأخبار الصحفية والعلمية. وكونه أحد العاملين على مواضيع غامضة، لم يثنه الخوف من المحامين من مواصلة عمله. فقد فاز بجائزتي بولتيزر وذلك لتطرقه لمواضيع هامة للغاية مثل موضوع "فيفانتي" والحكومة الأمريكية. وكان قد قال متحدثا عن هولمز "إن كنت بصدد استخدام  تطبيق غير جاهز في الهاتف، فإن ذلك لن يؤدي إلى موتك، لكن إذا ما تعلق الأمر بالطب، فإن ذلك مختلف".

في الأثناء أرسل محامي ثيرانوس رسالة إلى نائب روشال غيبونز مهددا بإتباع الإجراءات القانونية والتحدث إلى المراسل. وقد كتب محام يعمل في شركة بويز وشيلر وفلاكسنر للمحاماة: "إن رغبة الشركة تتمثل في عدم تعقب السيدة غيبونز وفق الإجراءات القانونية".

وقال غيرهم من اللذين قابلوا "ذو جورنال" وتعرضوا للتهديدات نفسها: "إلا إذا توقفت مباشرة عن القيام بتلك الأعمال، ستترك الشركة دون خيار آخر باستثناء تعقبها من خلال الدعاوى القضائية من أجل وضع حد نهائي لمثل هذه الأعمال إلى الأبد".

النهاية

عادت هولمز في آذار/ مارس سنة 2009، إلى الحرم الجامعي بستانفورد، الذي بدأت منه قصتها، بهدف الحديث مع مجموعة من الطلبة في برنامج التكنولوجيا بستانفورد. لم يكن شعرها قد أصبح أشقر بعد، ولكنها بدأت تلبس قميصها الأسود، وبدأت تستعد إلى التحول إلى الصورة التي ستصبح عليها في وادي السيليكون. وقفت هولمز، خلال 57 دقيقة، أمام السبورة وأجابت عن العديد من الأسئلة حول رؤيتها. وقالت بكل اقتناع: "الأمر واضح بالنسبة لي، إن احتجت لفعل هذا، فسأعيد فتح هذه الشركة بكل ما بوسعي من أجل التأكد من تحقق هذا الأمر".

هذا ما يبدو أن هولمز تقوم به الآن. وقد رفض كبار المسؤولين التنفيذيين من بينهم هولمز وبالواني، إجراء المقابلات. سافرت إلى المقر الرئيسي للشركة، في تموز/ يوليو الماضي بعد الظهيرة، حيث بدت ثيرانوس في حالة حزينة من الخارج، وكان موقف السيارات خاليا من السيارات؛ فتقريبا نصف الموقف فارغا (أو نصف ممتلئ وفق زاوية نظرك) وكان العلم الأمريكي الكبير المعلق تحت قمة العمود في واجهة البناية مترهلا. كان على حافة موقف السيارات بعض الموظفين الذين كانوا يدخنون بينما كان موظف أمن الباب يلتقط صورة سلفي.

في صباح يوم الجمعة كانوا مجتمعين في غرفة الحرب، آمنت هولمز وفريقها من المستشارين أن ذو جورنال نشرت الرواية الحزينة وأن على هولمز سحق هذا الخلاف لتتمكن من العودة إلى العمل بصفة عادية وتقص على المستثمرين والإعلام والآن للمرضى اللذين استخدموا تكنولوجيتها روايات لا تشوبها شائبة.

لا يمكن لهولمز ومستشاريها أن يكونوا على خطأ. كتب كاريرو في وقت لاحق أكثر من 24 مقالا عن المشكلات في ثيرانوس. قطعت شركة والغرينز علاقتها بهولمز، وأغلقت كل مراكز "والناس" التابعة لها. كما منعت إدارة الأغذية والدواء الشركة من استخدام جهاز إديسون الخاص بها.

منعت مراكز خدمات الرعاية الصحية والمساعدة الطبية، في تموز/ يوليو، هولمز من امتلاك أو إدارة مختبر طبي لسنتين. (هذا القرار الآن قيد الاستئناف) ثم جاءت التحقيقات المدنية والإجرامية التي قامت بها مفوضية الأمن والتبادل الأمريكية ومكتب المدعي العام في منطقة شمال كاليفورنيا الذين قاموا بتوجيه دعوتين قضائيتين في حق هولمز..

انقسم مجلس ثيرانوس إلى قسمين؛ كيسنجر وشالتز وفريست وهم الآن مجرد "مستشارين"، بينما هولمز لن يستطيع أحد استبدالها نظرا لأنها هي المسؤولة عن انتخاب من يعوّضها باعتبارها الرئيسة التنفيذية ورئيسة ثيرانوس.

شعرت فوربس بالحرج إزاء وضع هولمز على غلاف قصتها، مما دفعها إلى حذفها من قائمة "أغنى نساء أمريكا اللاتي صنعنا أنفسهن". وتجدر الإشارة إلى أن ثروة هولمز قدرت في السنة الماضية بـحوالي 4.5 مليار دولار، وقد كتب المحرر قائلا "اليوم تخفض فوربس من تقديراتنا لها لتساوي صفرا". كان لثروتها سبب في هذا الخطأ، فقد كتب المقال بعنوان عريض: "أضللتني ثيرانوس". كما وقع المدير آدم ماكاي، مباشرة بعد استلامه جائزة أوسكار عن فيلم "بيغ شورت"، على إنجاز فيلم يتمحور حول قصة هولمز تحت عنوان مبدئي "باد بلاد" (الجانب المشرق بالنسبة لهولمز هو أن جينفر لورانس هي من ستمثل الدور).

حتى وادي السيلكون الذي أعجب بهولمز تراجع عن ذلك، كما تراجع العديد من المستثمرين عن المساهمة في هذه الشركة حيث أن بعض أموالها جاءت من العالم النائم ومن الصناديق الاستثمارية الذي غالبا يحتفظ بالادخار لأصحاب المعاشات التقاعدية والأسهم الخاصة والمبالغ الصغيرة من الرأسمال الاستثماري من عمليات الساحل الغربي. في النهاية، بقي محل واحد من محلات فالي في سي يستثمر في ثيرانوس وهو "درابر فيشر جوفرتسن". أعجب الكثيرون بما تمثله هولمز في تلك الصناعة ولكنهم غير مستعدين لمنحها الثقة وتسلميها أموالهم.

في الأثناء كانت هولمز بشكل ما مشتتة، سافرت في آب/ أغسطس عبر الطائرة إلى فيلادلفيا للتحدث مع الجمعية الأمريكية للعلاج الكيميائي في مؤتمرها السنوي. وقبل أن تضع قدمها على خشبة العرض شغل منظمو المؤتمر أغنية "تعاطفا مع الشيطان" في غرفة كبيرة يجلس فيها قرابة 2500 طبيب وعالم.

كانت هولمز تلبس قميصا أزرقا بالأزرار وسترة سوداء (لقد تخلت أخيرا عن قميص عنق السلحفاة الأسود)، وتحدثت لأكثر من ساعة بينما كانت تحرك بسرعة صفحات عرضها. كان الجمهور يأمل في أن تجيب هولمز عن تكنولوجيا إديسون وتشرح إن كانت تعلم أنه مجرد خدعة أم لا. ولكن عوض هذا عرضت هولمز تكنولوجيا جديدة عن اختبار الدم والذي أكد كثير من الذين حضروا أنه ليس بجديد أو رائد.

ثم ظهرت في آخر ذلك اليوم في برنامج "سانجاي غوبتا" على قناة سي آن آن وبعد أسابيع قليلة ظهرت في سان فرانسيسكو في عشاء جماعي يحتفل بدور المرأة في التكنولوجيا. وقد قال لي الأستاذ المحاضر فيليس غاردن في جامعة ستانفورد؛ "إليزابيث هولمز لن تتوقف، متشبثة بقصتها مثل إوزة على حافة سفينة".

عندما جئت إلى باولو ألتو في تموز/ يوليو لم أكن الشخص الوحيد الذي يعد لحوار مع ثيرانوس وهولمز. فقد كان مكتب التحقيقات الفيدرالي يعد لذلك أيضا. عندما طرقت الباب حينها كنت قد سبقت وكلاء مكتب التحقيقات الفدرالي بيوم أو يومين محاولين وضع خط زمني وجمع كل ما عرفته هولمز ومتى عرفته – وقد أضاف هذا التفافات غير متوقعة في القصة لم يكن بإمكانها التحكم فيها.

المصدر: ڤانيتي فير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.