هل يمكن أن يساعد التعليم في القضاء على الفقر؟

الوضع الليلي الوضع المضيء

عالمياً، وبحسب العديد من الإحصائيات والدراسات، لوحظ أن الحصول على تعليم ابتدائي ذو جودة عالية مع المحافظة على تعزيز رفاهية الأطفال، هو حلّ مجدي لتقليص دورة الفقر، حيث أنه يعالج جزئياً وبالتوازي العديد من القضايا الأخرى التي تجعل المجتمعات هشّة ومستضعفة.

يتجذر الفقر في المجتمعات تماماً كالشجرة تنتشر جذورها في أعماق الأرض، وللأسف فإن العديد من العوامل قد تعمل على تفاقمه، ولكن هناك عامل واحد يمكننا القول بأنه الأساس في تكوّن المجتمعات الفقيرة، ألا وهو التعليم، فالمجتمعات التي لا يحصل أبناؤها على تعليمٍ أساسي جيد ستكون معرضة بشكل أكبر للعيش فقراء، وبالتالي فإن أغلب هؤلاء الفقراء يضطرون لإخراج أطفالهم من المدارس وبالتالي يزداد خطر مضاعفة معدّل الفقر بينهم.

يعتبر التعليم هو العامل الرئيس الذي يساعد على موازنة نسبة الفقر وتقليله، حيث يقوم على ترك الباب موارباً أمام فرص العمل والموارد والمهارات التي تحتاج إليها الأسرة، ليس فقط من أجل البقاء بل أيضاً لتحقيق الازدهار داخل الأسرة نفسها.

نستعرض فيما يلي طرق التعليم الثلاثة التي تعتبر العنصر السري والأساسي في القضاء على الفقر المدقع، بالإضافة لبعض الحقائق التي تتداول حول قيمة التعليم.

حقائق حول تأثير التعليم على الفقر

يرتبط التعليم ارتباطاً مباشراً ووثيقاً بالعديد من الحلول التي تعمل على تقليص فجوة الفقر في المجتمعات بما في ذلك:

  • النمو الاقتصادي.
  • الحد من التفاوت في الدخل.
  • انخفاض وفيات الرضّع والأمهات.
  • انخفاض نسبة التقزّم لدى الأطفال.
  • الحد من التعرض لفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز).
  • الحد من العنف في المنزل والمجتمع.

تقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) أنه إذا كان جميع الطلاب في البلدان ذات الدخل المنخفض لديهم مهارات القراءة الأساسية فقط (ولا شيء آخر)، فإن ما يقدر بنحو ١٧١ مليون شخص يمكنهم أن يتخطوا معاناة الفقر المدقع، وفي حال أكمل جميع البالغين التعليم الثانوي، فإننا سنتمكن من خفض معدل الفقر العالمي بما يزيد عن النصف.

٣ طرق تجعل التعليم يؤثر على معدل الفقر!

الحقائق التي ذكرناها سابقاً هي بعض الأسباب التي جعلت الأمم المتحدة تحدد التعليم بأنه هدفها الرابع للتنمية المستدامة، وفي هذا السياق سنذكر لكم ثلاثة طرق مختلفة تجعل التعليم يؤثر إيجابياً على تقليل معدلات الفقر في العالم:

١- التعليم يطوّر المهارات والقدرات

يعمل نظام التعليم الجيد ذو الجودة العالية على تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية والمعرفية ومهارات الاتصال للأطفال، بينما تدعم برامج التعليم أيضًا تنمية المعارف والقدرات، أي الأصول البشرية، ومن المرجح أن ينجح الأطفال الذين يتلقّون تعليماً أولياً عالي الجودة في تنمية هذه الأصول بمستويات أعلى من أولئك الذين لا يحصلون عليها ومن ثم استخدام هذه القدرات والمهارات لكسب دخل أعلى أو تطوير أصول أساسية أخرى.

٢- يحارب التعليم التفاوت وعدم المساواة بين الناس

قبل أن نمنح الناس المزيد من الفرص للمشاركة في المجتمع، يتعين علينا أن نعالج بعض العقبات التي تحول دون ذلك. غالباً لا يتم الاعتراف بالمجتمعات الضعيفة والهشة ولا يتم مساواتها مع المجتمعات الأخرى، وبالتالي، كنتيجة لذلك فإنها تفتقر إلى تمثيل نفسها في المحافل الدولية، وتفتقر إلى السلطة والمكانة المجتمعية، ولكن رغم ذلك فإن التعليم يعتبر حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.

إن أحد أكبر أشكال التفاوت التي تجعل دورة الفقر متسعة هو التمييز وعدم المساواة بين الجنسين في الفصول الدراسية، وبالتالي فإن لذلك التمييز تأثيراً سلبياً مضاعفاً على طريقة معاملة المرأة في مجتمعها، وعندما يرحَّب بوجود الفتيات في الصف، فسيصبح بإمكانهن بناء مهاراتهن واكتساب المعرفة والنمو الاجتماعي خلال سنوات بلوغهن مما يساعد على وضع أسس التعلّم في المجتمع مدى الحياة.

٣- التعليم يمكن أن يقلل الضعف والهشاشة في مناطق الصراع والكوارث

عادة ما ترتبط حياة الفقراء وسبل عيشهم بوجود الصراعات والأوبئة والكوارث الطبيعية، وقد تعمل هذه العوامل باعتبارها " عوامل مضاعِفة للقوة بالنسبة للمجتمعات القوية" ولكنها عناصر تزيد من احتمال استمرار ازدياد معدّل الفقر في الدول الأكثر فقراً.
ولكن كما يقول المثل القديم، فإن المعرفة هي القوة، بالإضافة لأهمية التعليم في تقليل الفجوة الطبقية وعدم المساواة في المجتمعات، فيمكن للتعليم أيضًا حماية المجتمعات من أن تكون هزيلة ومهزوزة.

الحروب والصراعات المستمرة قد تترك الملايين من الأطفال لاجئين في دول أخرى، وهذا يعني جيلاً ضائعاً يواجه حواجز جديدة ومختلفة كحاجز اللغة للدولة التي يلجأ إليها، وبالتالي فإن أول مهمة يجب أن تقوم بها المؤسسات الدولية والمجتمعية هي محاولة التخلص من حواجز اللغة للأطفال اللاجئين ليتسنى لهم الاندماج في المدارس العامة لتلك الدول المستقبلة.

هناك أيضاً العديد من العوائق النفسية والاجتماعية أمام التعليم والتي خلفتها تلك الحروب في نفوس الأطفال الصغار، لذا فهم بحاجة لتلقي الدعم النفسي والاجتماعي لمساعدتهم على الشعور بالأمان مجدداً وإعادة بناء مهاراتهم الاجتماعية المفقودة جرّاء الصدمة، ليتمكنوا بعد ذلك للعودة لتلقي التعليم الأكاديمي.

التعليم للجميع

إن التعليم ذو النوعية الجيدة يعتبر واحداً من أفضل استراتيجيات تقليل الفقر المتاحة لأي مجتمع، لقد أدركت ذلك منظمة كونسيرن العالمية ومقرها إيرلندا، وقامت بتشكيل لجنة خاصة عام ٢٠١٨ لتعزيز مبادرة "التعليم للجميع" لنحو ٣٥٠ ألف طفل بشكل مباشر، ٣٧٢ طفل آخر بشكل غير مباشر من بينهم أكثر من ٣٦٠ ألف طالب من الإناث.

في حين أطلقت نفس المنظمة برنامجاً آخراً أطلق عليه "فلندع فتياتنا ينجحن" في دولة كينيا يدعم النساء الشابات في مقاطعة مارسابيت للاستمرار في الدراسة إلى ما بعد المستوى الابتدائي.

يذكر أن حوالي ٧٠٪ من سكان مقاطعة مارسابيت هم أميّون لا يجيدون القراءة والكتابة، ومن بين الأطفال الذين يذهبون للدراسة الابتدائية، يلتحق فقط ما يقارب ٣٩.٥٪ منهم بالتعليم الثانوي، ولكن المنظمة وبمساعدة مؤسسات المجتمع المحلي هناك، ساعدت ما يقارب ٢٠٥ فتاة داخل ٢٠ مدرسة، وبالتالي فإن ٨٦٪ منهن ذهبن إلى المدارس الثانوية أو إلى مركز للتدريب المهني.

وبما أن التعليم يرتبط بالعديد من الوسائل والطرق التي تساعد على إنهاء أو تقليل معدل الفقر المدقع، فهو يعتبر أيضاً عنصراً يمكن دمجه في العديد من مجالات التنمية المجتمعية، وهذا ما قامت به منظمة كونسيرن في تشاد ونيجيريا عند نزوج أكثر من ٢٥٢ ألف نازح إلى النيجر، حيث تم تقديم برنامج تعليمي جيد لأكثر من ٧٢٣٠ طفل في ٢٥ مدرسة، من خلال بناء ١٣ فصل للطوارئ و ١٧ دورة مياه منفصلاً للذكور والإناث.

المصدر: Concern Worldwide U.S

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.