مستقبل المدن: إنترنت الأشياء سيغيّر الطريقة التي نعيش بها

الوضع الليلي الوضع المضيء

بقدر ما أحدث الإنترنت من تغيير في العالم، يبدو بأن المرحلة المقبلة للويب ستجلب تغييرات أكبر، وتحدث ثورة بالطريقة التي نعيش ونعمل ونلعب ونتعلم بها.

ستتمثل المرحلة المقبلة، والتي يسميها البعض إنترنت الأشياء في حين نسميها نحن إنترنت كل شيء، بالاتصال الذكي بين الأشخاص والعمليات والبيانات والأشياء، وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو للوهلة الأولى كفكرة بعيدة المنال، إلّا أنها أصبحت حقيقة واقعة بالنسبة للعديد من الشركات والحكومات والمؤسسات الأكاديمية في جميع أنحاء العالم، واليوم، أصبح نصف سكان العالم يمتلكون إمكانية الوصول إلى الإنترنت؛ وبحلول عام 2020، سيكون ثلثي العالم مرتبطين به، وبالمثل، هناك حوالي 13.5 مليار جهاز موصول إلى شبكة الإنترنت اليوم، وبحلول عام 2020، فإننا نتوقع أن يصل العدد إلى 50 مليار جهاز، ولن تكون الأشياء التي سيتم ربطها محصورة فقط بالأجهزة التقليدية، مثل أجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية والهواتف، ولكنها ستتوسع لتشمل أيضاً أماكن وقوف السيارات، الساعات المنبهة، خطوط السكك الحديدية، أضواء الشوارع، صناديق القمامة، ومكونات المحركات النفاثة.

تولد جميع هذه الاتصالات بالفعل كميات هائلة من البيانات الرقمية، وهي تتضاعف كل عامين، ومع ظهور الأدوات الجديدة التي ستعمل على جمع وتبادل وتحليل البيانات، وتحويلها إلى معلومات مفيدة أو حتى نوع من الحكمة، سيتمكن الجميع من اتخاذ قرارات أفضل، ويكونون أكثر إنتاجية.

الأرباح التي سيدرّها إدخال إنترنت الأشياء إلى المجتمع ستكون هائلة، بل في الواقع من المتوقع أن يكون لإنترنت الأشياء القدرة على إدرار أرباح يصل مقدارها إلى 19 ترليون دولار على مدى العقد المقبل، وبالنسبة للقطاع الخاص العالمي، فإن هذا يعادل زيادة إجمالية بمقدار 21% في أرباح الشركات، أو ما يعادل 14.4 ترليون دولار، وسيستفيد القطاع العام العالمي من ذلك أيضاً من خلال استخدام إنترنت الأشياء كوسيلة لرقمنة المدن والبلدان، مما سيؤدي إلى تحسين الكفاءة وخفض التكاليف، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى إنتاج 4.6 تريليون دولار من القيمة الإجمالية، وإلى جانب ذلك، فإن هذه العملية ستساعد (وهو الأمر الذي تقوم به بالفعل) في معالجة بعض التحديات الأكثر إرباكاً في العالم، مثل النمو السكاني، تزايد الطلب على الموارد الطبيعية المحدودة، وإعادة التوازن لعملية النمو الاقتصادي التي تتزايد في بلدان الأسواق الناشئة، وتتباطأ في الدول المتقدمة.

العوائق المادية

يعيش أكثر من نصف سكان العالم اليوم داخل أو بالقرب من المناطق الحضرية الكبرى، وهذا التحرك نحو المناطق الحضرية لا يظهر أي علامات على التباطؤ، فوفقا للأمم المتحدة، من المتوقع أن يزداد عدد سكان العالم من سبعة مليارات نسمة اليوم إلى 9.3 مليار بحلول عام 2050، وسيتوجب على مدن العالم أن تستوعب نحو 70% من السكان حينئذ.

الطرق التقليدية في التعامل مع هذا التدفق، والتي تتمثل ببساطة بإضافة المزيد من البنية التحتية المادية، لن تكون ناجحة، وخاصة بالنظر لمحدودية الموارد والمساحات، لذلك سيكون هناك حاجة لإيجاد طرق تكنولوجية مشتركة جديدة لتوفير الخدمات الحضرية، سواء أكان ذلك في مجال الطرقات أو في طرق توفير المياه والكهرباء والغاز وأماكن العمل والمدارس، أو في الرعاية الصحية، ففي المستقبل، سيكون هناك تركيز أقل على الاتصالات المادية لصالح الاتصالات الافتراضية.

من جهة ثانية، تواجه المدن أيضاً تحديات كبيرة في الميزانية، ومحاربة ارتفاع التكاليف وتقلص الموارد، كما أن المدن في العالم تشكل70% من مصادر انبعاثات غازات الدفيئة، ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-HABITAT)، فإن التكاليف المتعلقة بالطاقة تعتبر واحدة من أكبر بنود ميزانية البلديات، ولكن يمكن للتكنولوجيا أن توفر حلاً بسيطاً عن طريق تحديث أنظمة إنارة الشوارع القديمة ليس إلّا، و هذا من شأنه أيضاً أن يعزز سلامة المواطن ويخلق بيئة مواتية لاستثمارات الشركات.

هناك مشاكل مماثلة في العديد من شبكات المياه في العالم أيضاً، حيث أن أنابيب المياه غالباً ما تحتاج لأن يتم استبدالها بعد فترة من الزمن، فعلى سبيل المثال، البنية التحتية للمياه في الولايات المتحدة تعاني من مشاكل وأعطال يبلغ معدلها تقريباً 240 ألف عطل سنوياً، لذا فهي على وشك أن تنهي دورة حياتها، وإذا ما افتراضنا أنه يجب استبدال جميع الأنابيب، فإن تكلفة إصلاح هذه البنية التحتية المتهالكة يمكن أن تتجاوز الترليون دولار على مدى السنوات الـ 25 المقبلة، ولكن من خلال وضع أجهزة استشعار شبكية في أنابيب المياه وأنظمة الأنابيب تحت الأرض أثناء إصلاحها واستبدالها، يمكن للمدن مراقبة هذه الأنابيب بطريقة أفضل وأكثر فعالية، مما سيسهل عملية ترقيتها، وتوقع المشكلات المستقبلية المحتملة التي قد تصيبها.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ازدياد عدد الأشخاص يعني تكدس المزيد من النفايات، حيث من المتوقع أن يصل حجم النفايات الصلبة المتولدة عن المدن حول العالم بحلول عام 2025 إلى 2.2 مليار طن - وذلك بعد أن كان قد وصل إلى 1.3 مليار في عام 2012- وعلى الصعيد العالمي، فإن تكاليف إدارة النفايات الصلبة سترتفع إلى نحو 375.5 مليار دولار بحلول عام 2025، وذلك وفقاً لتوقعات البنك الدولي، ولكن مرة أخرى، فإن إنترنت الأشياء سيوفر وسائل لتحسين إدارة النفايات وتقليل التكاليف، فعلى سبيل المثال، يمكن لأجهزة الاستشعار التي يتم وضعها في حاويات القمامة السكنية والتجارية أن تنبه نظم إدارة النفايات في المدينة عندما تكون الحاويات ممتلئة، كما أنها ستوفر للسائقين الطرق المثلى لتفريغ الحاويات الممتلئة في كل صباح، لذلك، وبالمقارنة مع نظام المسار الثابت اليوم، فإن النظام الجديد سيوفر الملايين من الدولارات عن طريق زيادة كفاءة وإنتاجية العمال.

يجب أن يحظى الإشراف الذكي والفعال لنمو المدن بالأولوية القصوى، وهنا سيجلب إنترنت الأشياء أحد التحولات التكنولوجية الأكثر أهمية منذ ولادة الإنترنت، فالإتصال بين الأشياء والأشخاص، المدعّم بالعمليات الشبكية، سيمكّن الجميع من تحويل البيانات إلى معلومات قابلة للتنفيذ يمكن استخدامها لفعل أشياء لم تكن ممكنة من قبل، أو القيام بها بشكل أفضل، وسيكون بالإمكان اكتشاف الأنماط والاتجاهات بسرعة أكثر، حيث سيصبح بإمكاننا التنبؤ والاستعداد لأي نوع من الأعطال في الحافلات أو خطوط التجميع للكوارث الطبيعية والزيادات السريعة في الطلب على المنتجات النفطية.

الصالح العام

قد يكون من المدهش لنا أن نعلم بأن القطاع العام كان الأكثر فعالية وابتكاراً في التبني المبكر لاستخدام إنترنت الأشياء، وخصوصاً في المناطق الحضرية الكبرى، فالحلول الجديدة والمبتكرة بدأت تعمل بالفعل على تغيير الحقول الخضراء والمراكز الحضرية المتهدمة إلى ما نسميه بـ"المدن الذكية"، ووفقاً لـ(IHS) للتكنولوجيا، فإن العدد الإجمالي للمدن الذكية سيرتفع بمعدل أربعة أضعاف (من 21 إلى 88) بحلول عام 2025.

يمكن تعريف المدن الذكية على أنها المدن التي تعمل على دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عبر ثلاثة مجالات وظيفية أو أكثر، أي بمعنى آخر، هي المدينة الذكية التي تجمع بين البنية التحتية التقليدية (الطرق والمباني الخ) والتكنولوجيا لإثراء حياة مواطنيها، وقد ساعدت المنصات المبتكرة والتطبيقات المختلفة في الحد من حركة مرور وازدحام مواقف السيارات والتلوث واستهلاك الطاقة والجريمة، كما أنها ولدت المزيد من الإيرادات وخفضت التكاليف لسكان المدينة وزوارها.

على سبيل المثال، تستخدم ثلث الشوارع في العالم تكنولوجيا تعود لفترة الستينات من القرن الماضي في أنظمة إضاءتها للشوارع، في حين أن المدن التي قامت بتحديث أنظمتها القديمة بشبكات أضواء كاشفة للحركة استطاعت توفير الوقت الإداري والتنظيمي وكذلك الحد من تكاليف الكهرباء بمقدار 70-80%، وذلك وفقاً لدراسة عالمية مستقلة من تقنية الـ(LED)، كما أنه وباستخدام هذه التكنولوجيات الموفرة للطاقة، يمكن للمدن أن تخفض بشكل كبير من مصروفات البلدية على الكهرباء، وتقلل من معدلات الجريمة بنسبة 7% وذلك بسبب توفيرها لرؤية أفضل لمواطنيها، وعلاوة على ذلك، يمكن لأعمدة الإنارة المرتبطة أن تعمل كنقاط وصول لاسليكة للشبكات، مما يمكن المواطنين ومديري المدن من الاستفادة من الحصول على اتصال واسع الانتشار، والجدير بالذكر أن مدينة نيس في فرنسا قد قامت بالفعل بتطبيق نظام الإنارة الذكي للشوارع، من خلال وضع أجهزة استشعار مرورية، مما عمل على الحد من حوادث سرقة السيارات والاعتداءات، وحتى سرقات المنازل، ومن المتوقع أيضاً أن تعمل هذه المبادرة على التقليل من فاتورة الطاقة في المدينة بأكثر من 8 ملايين دولار.

يمكن للمدن الذكية أيضاً أن توفر الطاقة في المنازل، حيث يمكن أن يتم تجهيز المباني بأجهزة استشعار ذكية وأنظمة إدارة شبكية تعمل على جمع وتحليل بيانات استخدام الطاقة، وهو الأمر الذي من المتوقع أن يخفض من تكاليف استخدام الطاقة على مستوى العالم بقيمة 100 مليار دولار خلال العقد المقبل.

بسبب ارتفاع حركة المرور، تولّد المدن أكثر من 67% من الغازات المسببة للاحتباس الحراري التي تنبعث في الغلاف الجوي، ويتوقع الخبراء أن هذا الرقم سيرتفع إلى 74% بحلول عام 2030، ففي الولايات المتحدة وحدها، يكلف الازدحام المروري حوالي 121 مليار دولار سنوياً في الوقت الضائع والوقود، كما أن السائقين الذين يبحثون عن أماكن لركن سياراتهم يتسببون بـ30% من الازدحام في المناطق الحضرية، ناهيك عن زيادة التلوث، وللتغلب على هذه المشكلة، قامت مدينة سان كارلوس بكاليفورنيا بوضع أجهزة استشعار موصولة بشبكة على الإنترنت في أماكن وقوف السيارات، تعمل على تزويد السائقين بالمعلومات اللازمة لمعرفة أفضل الطرق التي من الممكن أن يسلكوها وأماكن الوقوف المتاحة، وقد ساعد هذا البرنامج في الحد من الازدحام والتلوث واستهلاك الوقود.

يمكن للمدن أيضاً دمج أجهزة الاستشعار التي يمكنها جمع وتبادل البيانات في الوقت الحقيقي حول أنظمة النقل العام لتحسين تدفق حركة المرور واستخدام الحافلات والقطارات، وبذلك منحها القدرة على ضبط أوقات سيرها على الطرقات وتوقفها المتكرر بناء على الاحتياجات المتغيرة، وهذا وحده يمكن أن يخفض التكاليف ويجلب المزيد من الكفاءات الجديدة، كما يمكن لتطبيقات الهواتف المحمولة التي تجمع المعلومات، في الوقت نفسه، أن تساعد المواطنين على تتبع تأخير الحافلات أو التحقق من أوقات سير الشاحنات من أجل توفير تنقل أكثر سلاسة، وتقدم مدينة برشلونة الإسبانية بالفعل تجربة نموذجية في مجال إدارة الحافلات العامة، وذلك من خلال نشر ما يسمى بـ"محطات الحافلات الذكية"، حيث يمكن للمواطنين استخدام شاشات تعمل باللمس لعرض أحدث الجداول الزمنية لمرور الحافلات، وخرائط المدينة، والشركات المحلية، ومراكز الترفيه.

المدن الخارقة

هناك عدد من الأمثلة البارزة عن المدن التي بدأت باستخدام إنترنت الأشياء، وهي تتراوح بين المدن القديمة، مثل برشلونة في إسبانيا- والجديدة، مثل سونغدو في كوريا الجنوبية.

بدأت برشلونة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.6 مليون نسمة، وتعتبر ثاني أكبر مدينة في إسبانيا، باحتضان إنترنت الأشياء وجني الأرباح، ويعتقد بأن نسبة أرباحها من ذلك ستصل إلى ما يقرب من 3.6 مليار دولار خلال العقد المقبل، حيث سيأتي مليار منها من تحسين الإنتاجية، في حين ستأتي المكاسب الأخرى من خفض الموارد والتكاليف البيئية المستخدمة في العمليات المختلفة، ولكن معظم الإيرادات ستأتي من الأعمال الجديدة التي تركز على الابتكار.

بالإضافة إلى ذلك، قام قادة المدينة بتطبيق تكنولوجيا الإنترنت على مكتب رئيس البلدية ومجلس المدينة، ناهيك عن إدارة المياه، إدارة النفايات، مواقف السيارات، وأنظمة النقل العام، وقد ساهمت هذه التقنيات بشكل كبير في زيادة أرباح برشلونة، وجعلها واحدة من المدن القليلة في أوروبا التي حققت فائضاً في الميزانية، بالإضافة إلى تحسين نوعية حياة مواطنيها، فعلى سبيل المثال، تم نشر خدمة الواي فاي المجاني في المدينة، وطورت تشكيلة غنية من التطبيقات التفاعلية بين المواطن والحكومة، كما استخدمت برشلونة أيضاً شبكة الإنترنت لتحسين نظام إدارة المياه في المدينة، واستبدلت أضواء الشوارع العادية بأخرى ذكية، وضمّنت أجهزة استشعار في أماكن وقوف السيارات للسماح للسائقين بمعرفة أماكن تواجد مساحات مفتوحة لركن سياراتهم.

مما تقدم، لا يمكن للمرء أن يتعجب إذا ما علم بأن مدينة برشلونة قد تم اختيارها في أوائل شهر مارس/ آذار الماضي من قبل الاتحاد الأوروبي كأكثر المدن الأوروبية ابتكاراً، وفي الشهر نفسه، أشارت مجلة (Fortune) إلى عمدة المدينة، كزافييه ترياس، باعتباره واحداً من أعظم القادة الـ50 في العالم.

على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، نجد مدينة سونغدو في كوريا الجنوبية، وهي أول مدينة زراعية في العالم يطرأ عليها مثل هذا التطور التكنولوجي الذي شمل جميع مناحي الحياة ، سواءً الإقتصادية أو الإجتماعية أو البيئية؛ فمن خلال استخدام المدينة لشبكات اتصال لاسلكية، يمكن للمواطنين الوصول من غرف معيشتهم، أو على بعد 12 دقيقة سيراً على الأقدام من منازلهم، إلى مجموعة من الخدمات المدنية سواءً فيما يخص الرعاية الصحية، الخدمات الحكومية، النقل، المرافق العامة، السلامة والأمن، أو التعليم،  كما أن المعلومات التي توفرها الشبكة في الوقت الحقيقي عن حركة المرور، يمكن أن تساعدهم في التخطيط لأسفارهم، في حين تقلل خدمات ومعلومات الرعاية الصحية عن بعد من النفقات والوقت الضائع في التنقل، وتحسن الأبنية الأمنية الآلية من السلامة وتخفض التكاليف.

من خلال الشراكة الفريدة من نوعها بين القطاعين العام والخاص، بدأت المدينة تتطور كمختبر حي للإدارة المدنية وتقديم الخدمات، ويمكن أن تكون نموذجاً يحتذى به من قبل المجتمعات البدائية الأخرى، والهدف لا ينحصر فقط في تطوير الخدمات الحضرية التي تعزز حياة المواطن اليومية وتقلل استخدام الموارد في المدينة، بل أيضاً تقديم قيمة اقتصادية للمدينة من خلال جعلها مركز جذب للمواطنين والشركات الجديدة، فهذه المبادرات تمتلك القدرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية للمدينة على مدى السنوات الـ 15 المقبلة، بما في ذلك توفير ما يصل إلى 300,000 وظيفة وزيادة في الإنتاج المحلي الإجمالي بقيمة 26.4 مليار دولار، وذلك إلى جانب قدرة المدينة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 4.5 مليون طن من خلال اتباعها لهذا النهج.

الوضع الطبيعي الجديد

كيف يمكن للعالم أن يجعل من برشلونة وسونغدو القاعدة الأساسية الطبيعية وليس الاستثناء؟

أولاً، من المهم وضع عملية لتحديد أولويات استخدام المدينة لإنترنت الأشياء على أساس المشاكل التي تحتاج لمعالجتها، ومعرفة الفوائد الحقيقية لإدراج مثل هذه البرامج، كما يتعين على قادة المدينة أن يحاولوا أيضاً البدء بتطبيق مبادرات قابلة للتكرار كانت قد عملت بشكل جيد في مدن أخرى مماثلة، مثل مواقف السيارات الذكية وغيرها من المشاريع القائمة على النقل، فغالباً ما يكون لدى مسؤولي النقل الميزانيات المطلوبة والسلطة لإطلاق مشاريع تجريبية قابلة للتطوير.

ثانياً، يجب على العالم أن يعيد النظر في استثمارات تكنولوجيا المعلومات، والابتعاد عن شراء الخدمات الإلكترونية المنعزلة، والتركيز بدلاً من ذلك على تلك التي تتكامل وتتكيف مع البنية التحتية التقنية للمدن، ومن خلال تطبيق شبكة توسعية يمكنها التعامل مع العديد من الأجهزة وأجهزة الاستشعار، يمكن للمدن والبلدان خفض التكاليف بمليارات الدولارات، فدمج التكنولوجيا المتصلة عبر النظم، بما في ذلك إدارة المياه والنفايات، العمليات البلدية، المباني الذكية، ونظم الطاقة، وهلم جرا، سيتيح مجالاً أكبر لظهور التأثير.

ثالثاً، ينبغي على الحكومات أن تبدأ بالنظر إلى تكنولوجيا المعلومات على أنها منتجة للقيمة وليست مستهلكة لها، ففي الواقع، يمكن لتكنولوجيا المعلومات أن تتيح للحكومات تنفيذ إستراتيجياتها الشاملة، وتسمح للمدن بالازدهار على المدى الطويل وفي العديد من الحالات، تكون العوائد المادية الناتجة عن الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات قابلة للقياس في غضون بضع سنوات أو أقل، ومع وجود اتصالات جديدة، يمكن للحكومات وأجهزتها تحسين إنتاجية موظفيها، واستقطاب المواهب وتوفير فرص العمل وتوليد إيرادات جديدة بدون رفع الضرائب، وأيضًا خلق منافع قابلة للقياس الكمي للمواطنين.

رابعاً، لا يجب على العالم أن يكون خائفاً من تبني التكنولوجيا بطرق جديدة، وهذا يعني إعادة النظر في العقد المبرم بين المواطنين وخدمات شركات تكنولوجيا المعلومات والحكومات التي توفرها لهم، فمع تطور إنترنت كل شيء، يجب على القائمين على صناعة التكنولوجيا أيضاً تحسين تدابير الأمن والخصوصية بشكل مستمر وفعال لمختلف التطبيقات التكنولوجية، ونحن نعتقد بأن إلتزام صناعة التنظيم الذاتي بأعلى المعايير الدولية يمكن أن تكون وسيلة فعالة في حماية الخصوصية والأمن، ويمكن تعزيز مثل هذه الأنظمة الأمنية من قبل الأدوات المبتكرة التي توفر للمستخدمين خياراً لتمكين أو تعطيل البرامج تساعدهم على فهم كيفية جمع البيانات الخاصة بهم واستخدامها.

خامساً، تتطلب المدن الذكية تعاوناً بين الشركاء من القطاعين العام والخاص، فهذا التعاون يساعد على تحمل عبء التكاليف، وحل المشاكل الملحة، وزيادة الفوائد التي تعود على الحكومة والمواطنين والصناعات، حيث أن المدن الذكية تتطلب خمسة أشياء، وهي قادة مدن جريئين ومبتكرين، شراكات تعاونية بين القطاعين العام والخاص، خطط رئيسية لتطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ورش عمل لتحديد ووضع برامج شاملة ومحددة، والالتزام بالمواعيد –الذي يعتبر أحد أهم الأولويات-، فعندما يتم تقاسم مخاطر وأرباح المشاريع بين الشركاء مثل القادة الحكومين والمواطنين العاديين والمستثمرين وشركات التكنولوجيا، يصبح حل المشاكل أكثر سهولة، وتصبح المشاريع أكثر احتمالاً للاكتمال، لأن جميع الأطراف يكون لديهم مصلحة في استثماراتها، وهذه الشراكات تعتبر الأداة الرئيسية لإدارة وتمويل المشاريع التي تتطلب بنية تحتية متطورة وبنية تكنولوجية.

أخيراً، فقد أظهر قادة المدن بالفعل أن الحلول التي يقدمها إنترنت الأشياء يمكن أن تحل المشاكل الصعبة وتحسن من حياة المواطنين، وهؤلاء القادة متحمسون حول قدرته على تقديم المزيد من الفوائد، فعام 2014 كان نقطة تحول كبيرة في مجال إنترنت الأشياء، وسيكون لهذا المجال تأثير أكبر بكثير على العالم ومدنه مما فعل الإنترنت خلال الـ 20 سنة الأولى على إنطلاقه، فإنترنت الأشياء يقوم بالفعل بإحداث ثورة في الطريقة التي تعمل بها مدننا، وذلك من خلال خلق اقتصاد عالمي أكثر دينامية وجلب تجارب جديدة وغنية للمواطنين أيضاً، وقريباً سنعيش في عالم حيث يمكن لكل شيء –وكل شخص- أن يكون متصلاً بشيء آخر، وسوف تكون شوارعنا أكثر أماناً، بيوتنا أكثر ذكاء، وسيصبح المواطنين أكثر صحة ويحصلون على تعليم أفضل، كما سيغير إنترنت الأشياء من الطريقة التي نعمل بها، وذلك من خلال توفير المزيد من المعلومات، التي ستؤدي لإتخاذ قرارات أفضل، إنتاج سلاسل توريد أكثر مرونة، خلق صناعة تحويلية أكثر استجابة، وتحقيق زيادة في القيمة الاقتصادية، بالمختصر، ستقوم المدينة المستقبلية على إنترنت الأشياء، وأولئك الذين سيتبنون هذه التكنولوجيا هم من سيقودون الطريق.

المصدر: مترجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.