الوزراء المؤسسون .. الثقافة والتعليم

الوضع الليلي الوضع المضيء

الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ مثالا

تعيش الدول مراحل عديدة في نموها وتطورها. تبدأ بطموحات كبيرة وامكانيات بسيطة، ورؤى بعيدة وهياكل وخطط بسيطة، تتطور مع الزمن. العامل المشترك فيها هم المؤسسون الأولون. وفي تاريخ المملكة العربية السعودية العديد من هذه الشخصيات التي ربما لم تنل حقها من الدراسة والتاريخ مثل الشيخ ابن سليمان أول وزير للمالية، وكما أن الطيب صالح يقول اذا قيل الشاعر فالمقصود المتنبي، فأنه اذا ذكر الوزير فالمعني هو ابن سليمان ولذا سمي شارع الوزير باسمه. وكذلك الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ أول وزير للتعليم العالي، وهو محور حديثنا.

كان التعليم أولوية لدى مؤسس المملكة وأبناءه، مؤمنين بأن التعليم والثقافة هما بذرة كل خير وطريق كل قمة. فبدأها الملك عبدالعزيز رحمه الله بتأسيس المدارس النظامية عموما ومدارس البنات خصوصًا، وأسس الملك سعود جامعة الملك سعود، وكان الملك فهد أول وزير للمعارف، وأسس الملك عبدالله جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ”كاوست“ التي أرّخت لمرحلة التحول والتميز  - رحمهم الله جميعا-. 

ولكل قادة رفقاء ومعاونون فكان الوزراء المؤسسون مثل أبن سليمان والشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ وغيرهم، لا يتسع المجال لذكرهم جميعا ولكن ربما الحديث عمن عاصرته وعرفته عن قرب بحكم علاقة والدي به.

وزارة التعليم العالي خرجت من رحم وزارة المعارف. وكان مقرها فلة بيضاء على شارع التخصصي بمدينة الرياض، ولكن هدمت قبل عدة سنوات، وتمنيت أنها لم تهدم، يقع مقرها مقابل وزارة التعليم الحالية بجانب مستشفى الدارة الحديث.

هذه المنطقة لا زالت منطقة تاريخية تضم وزارة التعليم ومعهد العاصمة، أحد أعرق المدارس في المملكة العربية السعودية ولا زال لم يبنى مثله حتى الآن مع كل المدارس التي بنيت بعده سواء الحكومية أو الأهلية.

وجامعة الفيصل التي تقع في قصر الملك فيصل السابق، وتعتبر من الجامعات المميزة بالإضافة لمستشفى الملك فيصل للأبحاث والتطوير والمعهد المصرفي السابق لأوانه والمتقدم في برامجه. ربما لو تم تسمية هذه المنطقة جادة التعليم أو “Riyadh Education District”.

الوزراء المؤسسون كانوا يتمتعون بقدر عالي من المعرفة والعزيمة واختيار جيد لمساعديهم وفريقهم المؤسس. ولكن أيضًا كانوا مثقفين وكتابًا. فالشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله كان أصغر وزير للمعارف وأول وأصغر وزير للتعليم العالي. تخيل أن تسند لك هذه المهمة أن تبني نظام التعليم العالي لدولة مترامية الأطراف حديثة النشأة لا تزال تعيش مرحلة الانتقال من البادية للحاضرة ومن الأمية للتعليم العالي ومن النمو الداخلي للابتعاث والانفتاح على العالم.
لم يحمل شهادة الدكتوراه لكنه أسس وزارة التعليم العالي التي خرجت وتخرج الآلاف منهم. والتعليم والثقافة لديه صنوان، ولذا كان كاتبا ومؤلفا نشطا، وأسس المجلة العربية التي لا زالت تصدر حتى يومنا هذا وكان مقرها فلة في منطقة البديعة حاليا بجوار مستشفى الرياض المركزي حاليا، وأتذكر أنني كنت أذهب مع والدي لها مساء فينشغل بعمله وأنشغل مع رسامها في تعلم الرسم.

ويذكر الأستاذ والأديب حمد القاضي الذي شغل منصب رئيس تحرير المجلة العربية في كتاب عن الشيخ حسن آل الشيخ يرحمه الله بعنوان ”الإنسان الذي لم يرحل“ أن الشيخ حسن آل الشيخ عاش لأهداف أربعة نبيلة:

  • الأول: الدعوة إلى التمسك بالعقيدة الصافية الصادقة.
  • الثاني: الإخلاص لهذا الوطن كيانًا وترابًا وإنسانًا.
  • الثالث: الكلمة المكتوبة حيث كان من أسعد الناس وأشدهم سرورًا حين يكتب مقالا أو يصدر مؤلفا.
  • الرابع: حبه الشديد للناس وحرصه على خدمتهم وراحتهم.

كما تحدث عنه الإعلامي والأديب الراحل د. عبدالرحمن الشبيلي قائلا: ”والعلامة الفارقة التي لا يكتمل الحديث عنه من دونها، هي ملكته الأدبية والفكرية والعلمية، فهو واسع الاطلاع، صاحب قلم أنيق الكلمة والحرف، رفيع العبارة مع الإيجاز، يملك ناصية البيان إذا خطب أو تحدّث أو كتب أو راسل، مع خط جميل راق، وأدب جمّ، وقد دأب - مع نهم القراءة ومتابعة الحركة الثقافية - على مواصلة خاصّته ومحبّـيه بمئات الرسائل الإخوانية التي كشفوا عنها بعد وفاته، وعلى تسجيل أحاديث إذاعيّة في السيرة النبوية وغيرها، وكتابة مقالات أسبوعية بخواطر إصلاحيّة مستنيرة، ونقد اجتماعي بنّاء، بعبارات موجزة، وبعناوين متنوّعة «كفاحنا، خواطر جريئة، خطوة على الطريق الطويل»، وقد أسهم في دعم حركة النشر والتأليف العلمي والثقافي عبر كل المؤسسات التي رأسها.“

ومع مشاغله إلا أنه كان يعتبر القراءة مصدر طاقته وتعلمه. ويعتبر الكتابة وسيلة تواصله ونقل معرفته. كان مكتبه مفتوحا للباذل والطالب، يستقبل الوفود والمسؤولين والأمراء وشيوخ القبائل والوجهاء وعامة الناس. وعرف عنه أنه لا يرد أحدًا خائبا فإن عجز عن إجابة الطلب منحك من حسن خلقه وكريم لطفه وحديثه ما يسليك. 
ترك لنا وزارة التعليم العالي بأنظمتها وأنشطتها وعشرات الجامعات وملايين الخريجين الذي يتبوئون مناصب قيادية يديرون دفة البلاد وربما بعضهم لم يصادفه أو يعلم بدوره وفضله، فقد توفي وعمره ٥٥ عاما.

التعليم والقراءة والثقافة متلازمة للنجاح والنمو تؤثر لا شك في عمل كل مسئول، فترتقي به لآفاق أبعد في الطموح والإنجاز وتجعله بيّن الرأي، شديد العزيمة، مقنع الحجة. قريبًا من الناس في حياته، خالدًا في العالمين بعد رحيله بإنجازاته.

خلاصات

١- كانت منطقة وزارة التعليم برًا يخرج أهل الرياض له للتنزه، وكانت للناصرية دروازة (بوابة) حيث تغلق بعد المغرب فلا يدخل أحد للرياض بعدها إلى حين تفتح البوابة بعد الفجر. كانت المواقيت بالصلوات وليس الساعات.
٢- عندما تسمع بالأفكار الكبيرة والرؤى الطموحة وتعتقد استحالتها تذكر هذا التاريخ وكيف أصبح لدينا عشرات الجامعات من لا شيء.
٣- الإنجازات يحققها أفراد يؤمنون بها ويسعون لها، وثقوا بأنفسهم ومنحوا الثقة والدعم من زملائهم ورفاق دروبهم. كانوا زملاء قبل أن يكونوا مدراء، وكانوا متعلمين متواضعين قبل أن يكونوا قادة ووزراء.

كانوا يشاركون الناس آرائهم من خلال المقالات وعلمهم من خلال الكتب التي يؤلفونها، مشاركة في نشر العلم ونقل المعرفة والعلوم، لا يضيق عنها وقتهم مهما كثرت مشاغلهم. وشغفهم بالتعليم والتعلم لا يتوقف، لا ينفكون عن التفاعل والتأثير، يديرون الأمور بالإقناع قبل التنظيم. لعل من آخرهم د. غازي القصيبي رحمه الله.

رحمهم الله جميعا وكتب أجرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.