انطلاقة التجارة الإلكترونية

الوضع الليلي الوضع المضيء

"التجارة الإلكترونية تحوّل الأعمال والحياة اليومية، ومعظمها للأفضل" – شارلوت هاورد

تتكدّس في المخازن حول العالم اللعب، والهواتف، والفساتين، وأجهزة التلفزيون، والبطانيات، والأجهزة الرياضية، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأكثر من ذلك بكثير. ففي الصين، يستعدّ تجار التجزئة على الانترنت لـ"يوم العازبين /Singles Day"، الذي يوافق يوم 11 نوفمبر، حيث يعدّ أكثر أيام التسوّق نشاطاً في العالم. وقد بلغت مبيعات علي بابا (أكبر سوق الكترونية) حوالي 18 مليار دولار خلال ذلك اليوم، وهو أكثر ما تمّ صرفه خلال يوم واحد في أي مكان ما. من جهة أخرى يستعدّ آخرون حول العالم شرائياً للاستعداد لاحتفالات الكريسمس، ففي الوقت الذي كان فيه الراغبون باقتناص الهدايا يتنقّلون في حيرة على المحلات والأسواق التجارية المزدحمة، يمكنهم الآن –بشكل متزايد– شراء ما يريدون من منازلهم أو مكاتبهم.

اتّسع نطاق التجارة الإلكترونية العالمية على مدى العقد الماضي بمعدل متوسط ​​قدره 20% خلال عامٍ واحد ، حيث تراجعت مبيعات المحلات التجارية التقليدية حول العالم والتي بلغت حصتها من إجمالي تجارة التجزئة في العام الماضي حوالي 8,5% في أحسن حالاتها . ووفقاً لمؤسسة يورو مونيتور “Euromonitor” للأبحاث؛ فقد بلغت المبيعات في كوريا الجنوبية حوالي 18%، وهي الدولة  التي تملك أعلى نسبة من مبيعات التجزئة على الانترنت. أما في أمريكا، أكبر سوق استهلاكية في العالم، فإنها تشكل حوالي 10٪ من المجموع. وكانت حصتها أقل بكثير في العديد من البلدان المتوسطة الدخل حيث بلغت أقل من 5٪ في الهند والبرازيل، على سبيل المثال.

على الرغم من ذلك، مازالت هناك أسباب للاعتقاد بنموّ التجارة الإلكترونية بشكل أكبر. فجيل الألفية في الدول الغنية الذين نشأوا على شراء السلع على الانترنت يعيشون الآن سنوات إزدهارهم. وفي البلدان الأكثر فقراً، سيؤدي ارتفاع الدخل وانتشار الهواتف المحمولة إلى جلب المزيد من المتسوقين عبر الانترنت. وعلى الرغم من تباطؤ النمو في التجارة الاكترونية في الصين، فإن بنك غولدمان ساكس “Golden Sachs” لا يزال يتوقع استمرار الإنفاق عبر الانترنت ليصل لأكثر من الضعف بين عامي 2016 و 2020، لتعويض ما يقرب من ثلث إجمالي مبيعات التجزئة. فيما يتوقع يورومونيتور “Euromonitor” ارتفاع حصة أمريكا من حوالي العُشر في العام الماضي إلى حوالي السُدس في عام 2021. أما في بريطانيا، فقد يرتفع الرقم إلى الخُمس.

نمو التجارة الإلكترونية المتسارع قد يصل في نهاية المطاف إلى حدٍ غير طبيعي. يقول فريدريك سميث “Fredrick Smith” المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فيديكس “FedEx” أن ارتفاع مصاريف الشحن في أمريكا سيجعل التجارة الإلكترونية أقل جاذبية. وسوف تتقدم مواقع مختلفة من العالم بسرعات مختلفة. ففي الهند، على سبيل المثال، تعثّر النمو. ومع ذلك، ليس هناك شكّ في أن التجارة الإلكترونية لديها ما هو أبعد من ذلك بكثير. لكن ما هو غير واضحٍ حتى الآن هو إلى أي مدى وبأي سرعة سترتفع، وأين ستكون بشكل أفضل، وكيف سيكون تأثيرها.

وقد أنتجت أمريكا والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، جبابرة هذه الصناعة، أمازون “Amazon” وعلي بابا “Ali Baba”. كلاهما أنشئا على أيدي شباب؛ أمازون التي بدأها جيف بيزوس” Jeff Bezos” كمكتبة على الانترنت، طرحها للعامة بشكل أولي في عام 1997، فيما تأسست علي بابا من قبل جاك ما “Jack Ma” في عام 1999. ونمت كلاهما منذ ذلك الحين بوتيرة سريعة، وأثّرا بشكل هائل على نطاق واسع ليس فقط على تجارة التجزئة ولكن على مجموعة من الصناعات التي تشمل الخدمات اللوجستية، والترفيه، والإعلان والتصنيع في بلديهما الأصليان.  وقد تم توسيع كلا الإمبراطوريتين خارج بلديهما الأم، فأمازون تملك مواقع تجارة إلكترونية في 14 سوقاً وتخطط للمزيد من النمو. وتمتدّ المشاريع الخارجية لعلي بابا من جنوب شرق آسيا إلى البرازيل وروسيا.

لا يلك العملاقان المجال بأكمله لأنفسهم؛ ففي أمريكا، لا تزال وول مارت “Walmart” أكبر متاجر التجزئة وتنفق بشكل كبير لمحاولة حدّ انتشار أمازون. كما أن لديها حصة في "جي-دي دوت كوم/JD.com"، وهي شركة تجارة إلكترونية مقرها بكين، استحوذت على حوالي 13% من السوق الصينية العام الماضي. في الصين، لا يواجه علي بابا "جي-دي دوت كوم/JD.com" فقط، بل كذلك تينسنت “Tencent”، شركة المراسلة ووسائل الدفع الالكتروني التي تعدّ من أكبر المساهمين في "جي-دي دوت كوم/JD.com". من جهة أخرى؛ يدعم شركات التجارة الإلكترونية الصغيرة حول العالم مستثمرون عمالقة مثل سوفتبانك “SoftBank”، ناسبرس “NasPers”  وتايغر غلوبال “Tiger Global”.  ويهم بشكل كبير حجم الشركة في هذا المجال، وذلك بفضل قوة البيانات، والخبرة التكنولوجية، وشبكات التوزيع الكبيرة، فإن أكبر شركات التجارة الإلكترونية لن تصبح إلى أكبر.

عهد البيانات

وبما أن تجارة التجزئة تؤثر في الاقتصاد والمجتمع بطرق عديدة، فإن للتجارة الإلكترونية آثار واسعة تتجاوز الصناعة نفسها، حيث تعد تجارة التجزئة أكبر نشاط تجاري خاص في العديد من الدول. فهي تمثّل في أمريكا –على سبيل المثال– واحدة من تسع مجالات لتوفير الوظائف. كما أنها تؤثر على الطريقة التي تمارس بها الشركات الأخرى أعمالها التجارية. فشركات الخدمات اللوجستية تحاول الخروج بأفكار جديدة لتلبية التوقعات المتزايدة من خدمات التوصيل السريعة والمجانية. والمصانع الصغيرة الجديدة تتحدّى الأخرى الكبيرة والمنشَأة قبلها، وذلك بفضل سهولة بيع البضائع على الانترنت. فيما تساعد بيانات المستهلكين –وهي السلعة الأكثر أهمية في التجارة في القرن الحادي والعشرين – الشركات المصنّعة على تطوير المنتجات والتفاعل مع المتسوقين على الانترنت والأسواق الاعتيادية على حدٍ سواء.

من جهة أخرى؛ لا تُعرّف أمازون أو علي بابا –الشركتين الأكثر ابتكاراً في هذه الصناعة– نفسيهما على أنهما شركات تجزئة على الإطلاق. فأمازون ليست مجرد موقع لبيع السلع، فهي تؤجر طائرات الشحن، وتنتج الأفلام، وتقدم مساعداً صوتياً، أليكسا “Alexa”. كما تقدّم أعمال الحوسبة السحابية من خلال شركة أمازون ويب سيرفيسز “Amazon Web Services – AWS”، فيما تعدّ عملياتها إلى جانب عمليات العديد من الشركات الأخرى مصدراً حيوياً للأرباح، مما يحافظ على مستقبل المستثمرين. كما تعدّ تجارة علي بابا أوسع من أمازون، والذي لا يقتصر فقط على التسوق، والترفيه، والحوسبة السحابية، بل يمتدّ إلى وسائل الدفع وشبكات التواصل الاجتماعية كذلك. وتُدرّ أنشطة الشركتين أموالاً وسلسلة من البيانات التي يمكن استخدامها لتحسين خدماتها القائمة وإضافة المزيد منها. تصف شركة علي بابا نفسها بأنها توفر الأنابيب والكابلات (البنية التحتية) لجميع أنواع الأعمال التجارية. يقول دانيال تشانغ “Daniel Zhang” – الرئيس التنفيذي للشركة–: "إلى حد ما نحن شركة خدمات. نحن نحاول توفير بنية تحتية للتجارة الرقمية ".

وقد استفاد كثيراً من ذلك المستهلكون بالفعل من كل هذا، مع حدوث المزيد في المستقبل. فهم يتمتّعون بخيارات أكبر من السلع، وأسعار أكثر شفافية من أي وقت مضى. بدلاً من قضاء الوقت في التنقّل إلى المحلات التجارية، واختيار السلع والانتظار في الطوابير، فإنه يمكنهم فِعل أشياء أخرى. ولم تعد الشركات تتعامل معهم كأمر مسلّم به، بل إنها تتنافس على تقديم منتجات أفضل، وتوفير راحة أكبر، وتحسين للخدمات.

تعدّ هذه الفترة صعبة للمحلات التجارية التقليدية، ففي بعض أنحاء العالم يتم إقفال مراكز التسوق نتيجة تقلّص عدد زبائنها الذين تحوّلوا إلى الشراء عبر الانترنت ويتم شحن مشترياتهم من  مستودعات واسعة. كما أن العديد من وظائف التجزئة التقليدية ستتلاشى مع إغلاق المحلات التجارية والباقي منها سيستخدم المزيد من التشغيل الآلي. سيتم إنشاء بعض الوظائف الجديدة، إلا أنها قد لا تعوض عن المفقودة، وسيزيد التقصّي الإلكتروني للمستهلكين لبيعهم المزيد من الأشياء.

سيدرس هذا التقرير الخاص في تأثير هذه التغييرات على قطاع تجارة التجزئة والأمور المرتبطة به، مثل الخدمات اللوجستية، والتسويق، والتصنيع، وتقييم أثرها الأوسع على المجتمع. وسيبدأ ذلك من خلال النظر في الدور الذي لعبه توأم الولايات المتحدة الأمريكية والصين العملاقين، أمازون وعلي بابا.

المصدر : الايكونوميست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.