العقل و القراءة .. لماذا يحتاج عقلك أن تقرأ يوميًا؟

يقال أن القراءة تجعل عقلك يعمل لأنها بمثابة الرياضة بالنسبة لجسمك. فهي تمنحنا الحرية لنتجول في اتساع المسافات والوقت والتاريخ، بالإضافة إلى أنها تقدم لنا نظرة أعمق على مستوى الأفكار والمعتقدات والعواطف وهيكل المعرفة.

فيقول روبرت بولانو: ” القراءة كالتفكير، كالصلاة أو كالتحدث إلى صديق.. أنها كالتعبير عن أفكارك أو كالاستماع إلى أفكار الآخرين. أن القراءة كسماع الموسيقى، مشاهدة منظر أو المشي على الشاطئ”.

في الواقع عقلك نشيط جدًا وأنت تقرأ، فهو يتقدم ويتطور ويصنع روابط جديدة وأنماط مختلفة وفقًا لنوعية المادة التي تقرأها.

القراءة تزيد من قوة اتصال العقل:

تتقدم وتتغير عقولنا بشكل مذهل عندما نقرأ. ففي حين قرأتك لهذا المقال فإن عقلك يفكك ويحلل سلسلة من الرموز المجردة ويقوم بتوليف نتائجها إلى أفكار مجمعة .. أليست عملية مذهلة حقًا!

نستطيع أن نشبه العقل القارئ بجميع أجزاءه المختلفة التي تعمل مع بعضها البعض بالأوركسترا السيمفونية وجميع الجهود المبذولة لعزفها في الوقت الفعلي.

إن أجزاء الدماغ مثل أقسام الآلة، فهي تزداد بقوة عظيمة لتجعلنا قادرين على تحليل النص المكتوب أمامنا. تربط القراءة أجزاء الدماغ بعضها ببعض. وتوضح ذلك مارين وولف في كتابها (القصة والعلم للعقل القارئ) قائلة: ” البشر ابتكروا القراءة منذ آلاف السنين القليلة .. وبهذا الابتكار أعادوا ترتيب منظومة عقولنا واتسعت الطرق التي نفكر فيها. حيث ساهم هذا الابتكار بحدوث نقلة نوعية في مستوى التطور الثقافي لدى الجنس البشري. ان آبائنا كانوا على وشك اكتشاف ذلك بسبب قدرة العقل الرائعة في صنع روابط جديدة بين الأساسيات الموجودة في ذلك الوقت. لذا فكان من الممكن القيام بهذه العملية لمقدرة العقل على تشكيل هذه التجربة.”.

تتضمن القراءة مهام عدة في الدماغ منها: العمليات السمعية والمرئية، والإدراك الصوتي والطلاقة والفهم وغير ذلك.

فالقراءة عن شيء ما أو تجربته فعليا يقومان بنفس التأثير في تحفيز المناطق العصبية في الدماغ. وعلى الصعيد ذاته، وفقا لدراسة تجرى حاليا لدى مختبرات هاسكنس لعلم الكلمة المكتوبة والمنطوقة، فإنهم يرون أن القراءة ليست كالمشاهدة أو الاستماع للإعلام، لأنها تمنح العقل بعض الوقت ليتوقف ويفكر ويعمل ويتخيل السرد لدى البعض منا، لذلك يمكننا خلال القراءة بشكل يومي أن نبطئ من العجز المعرفي في المراحل المتأخرة من العمر ونبقي العقل أكثر صحة.

اعتنق هواية القراءة:

في العالم الذي تعتبر فيه المعلومة عملة جديدة، فإن القراءة أفضل مصدر للتعلم والمعرفة المستمرة واكتساب المزيد من المعلومات. لذلك تتطلب القراءة العزم والصبر والاجتهاد مثل أي مهارة أخرى تستوجب أن تمارسها بانتظام واستمرار.

اجعل دوما هنالك وقت للقراءة ترى من خلاله ذلك الوهج الفاتن باستخدام أي وسيلة مريحة بالنسبة لك كالهاتف الذكي أو تصفح أوراق الكتب والتنقل بينها كيفما تشاء. وعند اختيارك للكتاب من على الرف في المرة القادمة، قف وفكر قليلا ماذا تقرأ؛ لأن ذلك ربما يؤثر فيك أكثر مما تتوقع!

 

القراءة تقوي التركيز:

في غصون ثلاثين دقيقة مثلا، يقضي معظم الأفراد وقتهم بين العمل على مهامهم وتفحص البريد والحديث إلى الزملاء، أو إلقاء نظرة على برامج التواصل الاجتماعي والرد بشكل متواصل على الإشعارات. فمن ناحية أخرى، لا تحسن القراءة فقط من اتصال الدماغ، بل تزيد أيضا من مستوى الانتباه والتركيز. فإذا كنت تعاني من مشاكل في التركيز، تستطيع من خلال القراءة تحسين مستوى تركيزك. فعلى سبيل المثال: عند قرأتك لكتاب ما، فإن انتباهك مرتكز على تلك القصة أو فهم نقطة معينة من ذلك الكتاب بشكل جيد فيصبح جميع العالم حولك لا يعني لك شيئا وتغمر نفسك أكثر بين التفاصيل الدقيقة التي استحوذت على انتباهك.

وجد أيضًا أن الكتب المكتوبة بشكل جيد تشجعنا على القراءة بشكل متسلسل – فكلما قرأنا أكثر، أصبحت عقولنا قادرة على الربط بين السبب والنتيجة-.

أنصحك بتجربة القراءة في الصباح حوالي ١٥-٢٠ دقيقة قبل عملك – في طريقك إذا كنت تذهب بالمواصلات العامة- حتما سوف تندهش من زيادة تركيزك بالمكتب وستكتشف حتمًا أن انغماسك بالكتب هي أقصى أنواع الرفاهية.

 

القراءة تعزز من التفكير المتدفق:

أظهرت الدراسات أن القراءة لا تزيد فقط من الذكاء المبلور والحاد فحسب، بل تزيد من القراءة الاستيعابية والذكاء العاطفي على حد سواء.

ويعرف الذكاء المبلور بأنه القدرة على حل المشكلات وفهم الأشياء وتحديد الأنماط ومعانيها. فالذكاء المبلور يمكن أن يعزز بالقراءة والذكاء المبلور بدوره يطور القراءة الاستيعابية.

من جانب آخر، أظهرت دراسة لدى جامعة ستانفورد أن الاختلاف في أعصاب الدماغ في حين القراءة من أجل المتعة أو القراءة المركزة تشبه الاختبار، فالدم يتدفق إلى أماكن مختلفة من المناطق العصبية استنادا إلى حجم التركيز في القراءة. ففي عام٢٠١١ أجريت نشرة نفسية سنوية نصت على أن التداخل يحصل في مناطق الدماغ التي تستخدم لاستيعاب القصص والتواصل مع الاخرين.

القراءة تجعلك ذكي عاطفيًا:

فالواقع أن الخيال هو نتيجة خبرة وتجربة اجتماعية وتلعب القراءة دورا مهمًا في ذلك. فعند قراءتك لنص خيالي، يبدأ عقلك فعليًا بتخيل الحدث والحالة والأشخاص والتفاصيل المذكورة من قِبل الكاتب.. إنها عملية متداخلة جدا.

ذكرت آني لوت في كتابها (بعض القواعد في الكتابة والحياة): ” الكتب بالنسبة للبعض منا مهمة كأهمية أي شيء آخر في الأرض. يالها من أعجوبة كيف لهذه الأوراق الجامدة المسطحة مربعة الشكل أن تكشف للعيان عالم تلو الآخر! عالم يشدو لك.. عالم مريح هادئ أو يثيرك. تساعدنا الكتب في معرفة من نحن وكيف نتصرف، تجعلنا نعرف ما معنى المجتمع والصداقة، تعلمنا كيف نحيا ونموت. ” .

وفي السياق ذاته أثبت الأخصائيين النفسيين ديفيد كومر كيد وايمانلو كاستنو لدى المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي في نيويورك: أن قراءة الأعمال الأدبية الخيالية تزيد من القدرة على فهم وضبط مشاعر الآخرين بمهارة حاسمة في العلاقات الاجتماعية المعقدة.

فيقول كيد: “إن الكاتب العظيم يحولك إلى كاتب بالمثل .. فالنقص الحاصل في شخصيات أعمال الخيال الأدبي تجعل عقلك يحاول جاهدًا فهم عقول الآخرين”.

ويضيف الباحثين لدى جامعة ايموري أن قراءة الرواية تزيد من الترابط بين أجزاء الدماغ المتعقلة باستقبال اللغة، فيقول جورج بيرنز: ” التغيرات العصبية التي وجدت مرتبطة مع الأحاسيس الجسدية والنظام الحركي تنص على أن قراءة الرواية يمكنها أن تحولك لتسجد بطل الرواية.. فنحن نعلم أن القصة الجيدة يمكنها أن تضعك في مكان شخص آخر بصيغة مجازية.. ويمكننا القول أن هنالك شيئا ربما يحدث من الناحية البيولوجية أيضًا”

 

المصدر: ذا ستارت اب

Posted in : edu


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *