ستُ توجهاتٍ رئيسية للعملية التعليمية في القرن الحادي والعشرين

الوضع الليلي الوضع المضيء

نشكو بكثرة في أيامنا هذه من أن التعليم الجامعي لم يتطور أو يتغير منذ مئات السنين. وعلى الرغم من أننا مازلنا نشهد رؤية ذلك الأستاذ الجامعي قديم الطراز الذي يسير في الحرم الجامعي حاملاً بيديه مذكرة المحاضرات ذات اللون الأصفر ومازال يتشبث بالطباشير التي تسبب الكثير من الغبار والحساسية! إلا أن الحقيقة تقول أن الانترنت والتقنيات الرقمية أحدثت تغييرات عميقة في أساليب وأدوات التعليم في الجامعات!

إذن، ماهي تلك الأساليب الجديدة التي تبنتها الجامعات وبدأت باستخدامها اليوم؟
وما هي التغييرات الثقافية الموسعة التي تخص التعليم في الكليّات الجامعية؟

سنتحدث لكم في السطور التالية عن ست توجهات رئيسية تتبناها الجامعات من أجل تطوير التعليم للقرن الواحد والعشرين:

١. ينتقل مزيد من الأساتذة من استخدام الكتب الدراسية التقليدية إلى استخدام نظام الموارد التعليمية المفتوحة (OER)

من الآمن أن نطلق على عملية الضغط من أجل استبدال الكتب المدرسية التجارية بمواد رقمية منخفضة التكلفة مصطلح " نزعة التغيير"، فقد تضاعفت في العام الماضي نسبة توزيع مواد التعليم المفتوح (OER) في الجامعات مقارنة بالأعوام السابقة، وعلى الرغم من أن نسبة الأساتذة التي شملتهم الدراسة لا تتعدى ١٣٪ إلا أن الكليات لاحظت هذه النزعة وها هي الآن تتبنى أسس دعم هذه العملية وقياس تأثيراتها على المدى القريب والبعيد.

ولنعطي مثالا على ذلك، فقد بدأ ائتلاف جديد لتوه بين ثلاثة أنظمة جامعية عامة وهم جامعة ميريلاند وجامعة مدينة نيويورك والجامعة الحكومية في نيويورك، للحديث عن الموارد التعليمية المفتوحة في الجامعات والتفاوض مع مقدمي خيارات التكلفة المنخفضة حيث أطلقوا على نفسهم مجموعة DOERS3 أي قيادة موارد التعليم المفتوحة. كما بدأت الكليات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بتوظيف العديد من الموظفين بمسميات وظيفية جديدة مثل: منسق الموارد التعليمية المفتوحة وأمين مكتبة المحتوى منخفض التكلفة.

ترى الدكتورة إم جي بيشوب نائبة مساعد رئيس الجامعة في جامعة ميريلاند أن أحد أساسيات الجهد المبذول في محاولة نقل استخدام الكتب الدراسية لموارد تعليمية مفتوحة قابلة لرفعها عن طريق الانترنت يمكن أن يحسَن نتائج الطلبة، وأنه إذا تم التركيز على التكلفة، فقد ينتهي الأمر بالناشرين التقليديين بإبقاء النظام كما هو، وذلك بتقديمهم خيارات منخفضة التكاليف ضمن الطريقة القديمة لممارسة الأعمال التجارية.

٢. تنمو الحصص الدراسية "المعكوسة" بشكل مطرّد

روبرت تالبيرت، واحدٌ من أشد المدافعين عن التعليم "المعكوس" تصادف أن يكون أستاذ رياضيات في جامعة غراند فالي الرسمية ومؤلف كتاب "التعلم المعكوس"، وهو يتعامل مع الأرقام التي تتحدث عن مدى ضخامة توجه هذا النمط من التعليم، وقام مؤخراً بكتابة عدد من المقالات العلمية التي يتم نشرها كل عام عن عكس التعليم، بمعنى أن المواد التقليدية المستخدمة في المحاضرات، يتم تقديمها قبل الحصة (تكون بالغالب مقاطع فيديو مسجلة أو حيّة) بحيث يمكن استخدام الوقت المستخدم داخل غرفة الصف للمناقشة والحوار والقيام بالنشاطات. وقد تفاجئ بالزيادة الواضحة باهتمام العديد من الأبحاث بها الموضوع.
وفي مقابلة أجريت معه مؤخراً مع مجلة EdSurg قال: "إن عدد الأبحاث التي تصدر عن التعلم المعكوس يتضاعف كل ستة عشر شهراً. وتشير الزيادة في أبحاث التعلم المعكوس إلى حدوث نمو مماثل في استخدام هذا النمط التعليمي، حيث أن العديد من هذه الأبحاث تفصّل التجارب التي أجراها المؤلفون في غرف الصف الخاصة بهم. فهو يقول: "لا يمكنني التفكير في أي مجال بحثي آخر يعاني من هذه المشكلة "، وبحسب المشكلة، فإنه يعني تحديًا في مواكبة الأدبيات، يكمل الأستاذ روبرت: "ليس لدي الوقت أو المساحة لقراءة كل هذه الأشياء".

هناك سبب بنيوي لهذا النمو، يقول تالبيرت أن الهيئة المعتمدة والتي تشرف على كليات الصيدلة في جامعة غراند فالي طلبت تخصيص وقت في الفصل الدراسي من أجل لتعليم التفاعلي، الأمر الذي جعل أولويات المحاضرات الدراسية ينقلب رأسا على عقب، يقول الأستاذ تالبيرت: " أن هذا الأمر يعد مشكلة كبيرة، حيث أن هذا النمط التعليمي يعتمد على التقنية ولكن ليس من الضروري الالتزام بذلك، لذا يجب التحلي بقليل من المرونة وعدم ترك الموارد التعليمية تتحكم بكيفية إدارة الفصول الدراسية وذلك من أجل تعزيز انتشار هذا النمط من التعليم".

٣. يبحث المزيد من أساتذة الجامعات عن الخبراء لمساعدتهم في العملية التعليمية، (رغم رفض البعض لهذه الفكرة)

لربما من الصعوبة بمكان أن نلحظ التغيير الثقافي الذي يحصل داخل الجامعات، وذلك لأنه ما يزال لكل أستاذ قراره الخاص فيما يتعلق بما يحدث داخل حصصه الدراسية، وبالتالي فإن أي تحديثات قد أجريت على الطريقة التعليمية تبدو وكأنها تسير بوتيرة بطيئة للغاية، ولكن في نهاية المطاف فإن التغيير يحدث حقاً، ومن الطرق التي تجعل عملية التغيير واضحة هي دعم الجامعات للمدرسين والأساتذة الجامعيين لحثهم على السعي من أجل عملية تعليم فضلى.

مثالاً على ذلك هو الارتفاع المستمر والثابت في الجامعات التي توظف المطورين التربويين والذين يعملون على تقديم النصائح والمشورات بشأن تحسين المناهج وخاصة عند تصميم العروض على شبكة الانترنت.

في عام ٢٠١٦ كان هناك ما يصل لـ ١٣٠٠٠ مطوّر تربوي في الجامعات الأمريكية وفقًا لتقرير صادر عن شركة إنترناشونال فيوتشرز Intentional Futures ويبدو أن هذا العدد في تزايد.

ومع ذلك، فقد لوحظ صدامٌ ثقافي مستمر بين المدرسين والأساتذة وبين المطورين التربويين، حيث رفض العديد من المدرسين وجود طرف خارجي يقترح تغيير طريقة تقديمهم للمحاضرات رغم استناد أفكار المطورين على الأبحاث والدراسات العديدة،

تقول جوليا هارت، وهي مطورة تربوية في جامعة كولومبيا الجنوبية، أن أحد المقابلات التي أجرتها مؤخرا مع بعض الأساتذة سيطر عليها الجدال إلى الحد الذي جعل الأستاذ يرفض التحدث إليها بعد تلك المقابلة! تقول: " كان الأمر يتعلق بحقيقة أنه لا يرغب في سماع رأيي بشأن الحاجة للتغيير! رغم أن كون البدء في عملية التغيير تعد سياسة وضعتها الجامعة ومن واجبي القيام بعملي!".

تابعت جوليا: " هناك ما يقارب ١٢ من زملائي مروا في مثل هذا الوضع، ولكن هذا لا ينفي وجود العديد من الأساتذة الآخرين الذين رحبوا بي ووثقوا بكيفية أدائي للعمل".

على أية حال، هناك دراسة كلاسيكية تقول أن الأساتذة يعتقدون أنهم الأفضل، ولا يرغبون أن يزاحمهم أحد ذلك الشرف العظيم!

٤. الغرف الدراسية ليست المكان الوحيد للتعلم

لا يجب أن ننسى أن جلّ ما يتعلمه الطلاب في جامعاتهم يحدث خارج الغرف الصفية، لذا فإن العديد من الأساتذة والمحاضرين الجامعيين بدأوا بإعادة التفكير في مساحات أخرى للتعلم داخل الجامعة أو من خلال شبكة الانترنت لإثراء الوقت الدراسي وتحسينه.

نذكر مثلا، تجربة وضع ساعات الدراسة عبر الانترنت ضمن منهاج الدراسة وإدخال وتعزيز فكرة استخدام الواقع الافتراضي في مختبرات العلوم لتوسيع مجال إبداع الطلبة وحثهم على الاستكشاف، وتغيير فكرة وكيفية الواجبات المنزلية وآلية الاختبارات، وإيجاد طرق جديدة للتعلم عبر الانترنت من خلال المشاركة في النشاطات عبر الانترنت. ويبدو أن عصر فقاعة الحرم الجامعي قد ولى في زمن تويتر، حيث أصبح الطلاب يكتبون آرائهم بحرية ويشاركون في الحوارات الوطنية بسهولة بقدر سهولة كتابة علامة الهاشتاغ.

٥. لا تزال الكليات الجامعية تناضل من أجل العثور على مكان أفضل للتعليم عبر الانترنت

تعتبر فكرة التعلم عبر شبكة الإنترنت من الإنجازات العظيمة للقرن الواحد والعشرين، ويعد هذا الاسلوب التدريسي في مراحله الأولى - حسناً، يمكنك العثور على بعض المساقات على شبكة الإنترنت والتي يعود تاريخها إلى عام ١٩٩٤– ولكن، مقارنة مع تاريخ وجود الكليّات والذي يعود لمئات السنين، مازال هذا النمط المتبع في التعليم وليد المرحلة! 

وفي خلال هذه الفترة الوجيزة كانت هناك بعض الأوقات الحماسية التي يجعل منها ثورة تعليمية قادرة على تحقيق أفضل النتائج أو تحقيق ثروات مادية لمقدمي هذه الخدمة. أو ربما كلا الميزتين، حيث بدأت تظهر توجهات جديدة مثل (موك- Moocs ) أو ما تسمى بالمساقات الضخمة عبر شبكة الانترنت، والتي اقتصرت على كليات دراسية محدودة جدا، ثم تحولت بعدها إلى عملية التعليم عبر الانترنت، مما جعل العديد من المهووسين في الفكرة يحاولون توفير مساقات على الشبكة ذات كلفة أقل من ارتياد الجامعات، لكن يبدو أن هذا الحلم قد بدأ يخبو، وروّاده صرفوا انتباههم عن التركيز في تطوير هذا الأمر ووضعوا تركيزهم في مهام أخرى!

٦. ماذا تعني عملية التعليم في عصر المعلومات المضاعفة وزمن الاستقطاب السياسي؟

قد يكون السؤال الأصعب فيما يتعلق بالعملية التعليمية في القرن الواحد والعشرين هو "ما دور الأستاذ في عصر الإنترنت؟".

لقد كان الأستاذ قديما هو الرجل الحكيم الذي يتحكم بالمسرح (غرفة الصف)، عندما كانت المحاضرة ملكاً شخصياً له، لكن نظرة الناس تغيرت لهذا المفهوم، ويرون الآن أن الأستاذ يجب أن يكون "مرشداً فقط عند الحاجة" وهذا مالا يتفق عليه خبراء التدريس حيث يقول أحدهم: "لن يجدي هذا الأمر نفعاً!".

وفي هذا الزمن الذي يسيطر عليه الاستقطاب السياسي الحادّ، فإن الكليات وأساتذة الجامعات يبحثون عن حلول مثلى، تساعد على تدريب الطلبة ليصبحوا متعلمين رقمياً ليتمكنوا من أداء أدوارهم كمواطنين مثقفين على إطلاع دائم، لكن مجردّ التفكير بالقيام بذلك هو أمر محل نقاش مستمر، ولو أن البعض يحاول البحث عن حلول بعيدة عن الحزبية.

المصدر : EdSurge

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.