مرحلة مراهقة التكنولوجيا
داريو أمودي – الرئيس التنفيذي لشركة آنثروبيك - يناير 2026
ثمة مشهد في النسخة السينمائية من رواية كارل ساغان "كونتاكت"، تجلس فيه الشخصية الرئيسية — عالمة فلك رصدت أول إشارة راديو من حضارة فضائية — أمام لجنة دولية تُقيّم أهليتها لتمثيل البشرية في لقاء تاريخي مع الكائنات الفضائية. يسألها المحكّمون: "لو كان بإمكانك أن تطرح عليهم سؤالاً واحداً فقط، ماذا سيكون؟" فتجيب دون تردد: "سأسألهم: كيف فعلتموها؟ كيف تطورتم وكيف نجوتم من هذه المراهقة التكنولوجية دون أن تدمروا أنفسكم؟"
كلما تأملت موقع البشرية اليوم في علاقتها بالذكاء الاصطناعي—وعتبة التحول التي نقف عليها—عاد هذا المشهد إلى ذهني. فالسؤال يبدو ملائمًا بشكل لافت لواقعنا، وكأننا نفتقد إجابة كان يمكن أن تهدينا الطريق.
أعتقد أننا على أعتاب مرحلة انتقالية حاسمة، مضطربة ولكن لا مفر منها، ستختبر ما نحن عليه كبشر. سنُمنح قوة تكاد تكون غير قابلة للتخيّل، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت أنظمتنا الاجتماعية والسياسية والتقنية قد بلغت النضج الكافي لحسن استخدامها.
في مقالتي السابقة "آلات النعمة العطوف"، حاولتُ أن أرسم صورة حلم لحضارة عبرت سالمةً إلى بر النضج، واستطاعت أن تُوظّف الذكاء الاصطناعي المتقدم بكفاءة ورحمة لرفع مستوى الحياة على وجه المعمورة كله. وتناولتُ ما يمكن أن يُسهم به الذكاء الاصطناعي من قفزات هائلة في علم الأحياء، وعلم الأعصاب، والتنمية الاقتصادية، والسلام العالمي، وعالم العمل والمعنى.
وقد رأيتُ أن البشرية تحتاج إلى رؤية مُلهِمة تُقاتل من أجلها؛ وهو ما أخفق في تقديمه — على نحو لافت — كلٌّ من دعاة تسريع الذكاء الاصطناعي ودعاة السلامة فيه على حدٍّ سواء. أما في هذه المقالة، فإنني أواجه مرحلة الاختبار ذاتها مواجهةً مباشرة؛ أسعى إلى تحديد المخاطر التي نقترب منها، وصياغة خطة عمل للتصدي لها. فأنا أؤمن إيماناً راسخاً بقدرة البشرية على النجاح، وبعظمة روحها ونُبل جوهرها، لكن لا مناص من أن ننظر في عيون الواقع دون مواربة أو أوهام.
قواعد الحوار حول المخاطر
كما أن الحديث عن فوائد الذكاء الاصطناعي يستوجب الدقة والرصانة، فكذلك الحديث عن مخاطره يستلزم الحرص والتوازن. وأرى من الضروري مراعاة ثلاثة مبادئ جوهرية في هذا السياق:
أولاً: الابتعاد عن خطاب الانهيار والكارثية
لا أعني هنا فحسب الاعتقاد بأن الكارثة حتمية — فهذا اعتقاد خاطئ وقد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها — بل أعني كذلك التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي بعقلية شبه دينية. ففي ذروة موجة القلق من الذكاء الاصطناعي بين عامَي 2023 و2024، طفت على السطح أكثر الأصوات إثارةً للضجيج ونقصاً في الرصانة، تُسيء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطاب مستوحى من الدراما الخيالية، داعيةً إلى إجراءات متطرفة لا تُسنِدها أي أدلة.
وكان واضحاً منذ البداية أن رد الفعل العكسي آتٍ لا محالة، وأن القضية ستتحول إلى ورقة ثقافية واستقطابية، فتنتهي إلى طريق مسدود. وهذا بالضبط ما جرى؛ ففي عامَي 2025 و2026، انقلب المشهد رأساً على عقب، وباتت الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي هي المحرك الرئيسي للقرارات السياسية، لا المخاوف منه. وهذا التأرجح مؤسف، لأن التكنولوجيا لا تكترث بما هو رائج وما هو خارج الموضة؛ والأدهى أننا في 2026 أقرب بكثير من الخطر الفعلي مما كنا عليه في 2023. والعبرة الواجب استخلاصها هي أن مخاطر الذكاء الاصطناعي ينبغي أن تُناقَش وتُعالَج بأسلوب واقعي وعملي: رصين، مستند إلى الحقائق، وقادر على الصمود في وجه المدّ والجزر.
ثانياً: الإقرار بهامش عدم اليقين
كل ما يُطرح هنا قد يتبيّن لاحقًا أنه غير ذي صلة. ربما لا يتقدم الذكاء الاصطناعي بالسرعة المتوقعة. وربما لا تتحقق هذه المخاطر أصلًا، أو تظهر مخاطر أخرى لم نتخيلها.
لا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل بدقة، لكن ذلك لا يعفينا من التخطيط بأفضل ما نستطيع.
ثالثاً: التدخل بقدر ما يلزم لا بقدر ما يُتاح
مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي تستوجب مزيجاً من الإجراءات الطوعية التي تتخذها الشركات والجهات الخاصة، والإجراءات الحكومية الملزمة للجميع.
أما الإجراءات الطوعية فهي في نظري أمر بديهي لا خلاف عليه. غير أن التدخل التشريعي والتنظيمي يختلف في طبيعته اختلافاً جوهرياً؛ لأنه يمكن أن يُعرقل الاقتصاد أو يُكره على التزامات يرفضها أطراف لا يشاركوننا قناعاتنا — وقد تكون لهم حجتهم في ذلك. ومن المعروف أن الأنظمة تُوقع في الفخ الذي نصبت لتتجنبه، لا سيما في المجالات سريعة التطور. لهذا كله، ينبغي أن تكون التدخلات التنظيمية محكمةً وموزونة:
- تسعى إلى الحد من الأضرار الجانبية
- وتلتزم البساطة
- وتفرض أدنى عبء ممكن لتحقيق الغاية المنشودة.
من السهل القول "لا شيء مبالَغ فيه إذا كان مصير البشرية على المحك!"، لكن هذه العقلية في الواقع لا تُفضي إلا إلى المزيد من ردود الفعل العكسية.
وللتوضيح، أرى أن ثمة احتمالاً معقولاً لأن نبلغ يوماً مرحلةً تستدعي إجراءات أشد صرامةً بكثير، لكن ذلك مرهون بأدلة أقوى على خطر وشيك وملموس تتجاوز ما هو متاح الآن، ومشفوع بتحديد دقيق للمخاطر يُمكّن من صياغة قواعد فعّالة للتعامل معها. أجدى ما نستطيع فعله اليوم هو المناصرة لقواعد محدودة ومحددة، ريثما نعرف ما إذا كانت الأدلة تسوّغ ما هو أبعد مدى.