لا يمكن لأي ريادة تقنية أن تستمر من دون منظومة متكاملة
ساتيا ناديلا - الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت @satyanadella
أمضيت وقتًا طويلًا في التفكير في مستقبل الشركات في اقتصاد تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي.
إن التحول الذي نعيشه اليوم يختلف جذريًا عن أي تحول تقني سابق. ففي المراحل الماضية، كانت الأنظمة الرقمية تُستخدم لتعزيز قدرات الإنسان ورفع إنتاجيته. أما اليوم، وللمرة الأولى، أصبح بالإمكان إنشاء حلقة معرفية حقيقية ومتواصلة بين البشر والأنظمة الرقمية. وهذا تطور يغيّر جذريًا الطريقة التي نفهم بها العمل داخل المؤسسات وننظّم بها أنشطتها.
القضية المطروحة ليست مجرد استخدام أداة أو نظام رقمي جديد، بل تتعلق بكيفية استمرار المؤسسات في التعلم، وبناء أصولها المعرفية، وتحقيق التميز التنافسي، والازدهار في عالم تستطيع فيه نماذج الذكاء الاصطناعي استيعاب خبرات الأفراد والمؤسسات بشكل مستمر، ثم تحويل تلك الخبرات إلى سلع متاحة للجميع.
أعتقد أن كل شركة ستحتاج إلى بناء نوعين من رأس المال: رأس المال البشري ورأس المال الرقمي المعرفي (Token Capital).
فالأول يتمثل في المعرفة والخبرة والحكمة والعلاقات والإبداع والقدرة على اكتشاف الأنماط وربط المعطيات لدى العاملين فيها. أما الثاني فهو القدرات الذكية التي تطورها الشركة وتمتلكها وتبنيها اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي.
والأهم من ذلك أن قيمة رأس المال البشري لا تتراجع كلما نما رأس المال الرقمي المعرفي، بل على العكس تمامًا؛ تزداد أهميته. فأنا أرى أن الإنسان سيظل المحرك الأساسي لنمو القدرات الذكية. فهو من يضع الأهداف الطموحة، ويربط بين المجالات المختلفة، ويبني العلاقات، ويدرك الأنماط الأكثر أهمية وتأثيرًا. أما من دون التوجيه البشري، فلن يكون لدينا سوى قوة حوسبية تدور في حلقات مفرغة.
ومن هنا، فإن الفرصة الحقيقية لا تكمن في اختيار أفضل نموذج ذكاء اصطناعي، بل في بناء حلقة تعلم مستمرة فوق هذه النماذج، تتفاعل فيها القدرات البشرية والقدرات الذكية وتتضاعف قيمتهما مع مرور الوقت.
يمكنك تفويض مهمة أو حتى وظيفة كاملة للذكاء الاصطناعي، لكنك لا تستطيع أبدًا تفويض عملية التعلم نفسها. فمستقبل المؤسسة سيُقاس بقدرتها على مراكمة هذا التعلم وتعظيمه عبر البشر والأنظمة الذكية معًا.
وهذا يتطلب نهجًا معماريًا جديدًا يمكّن كل مؤسسة من بناء أنظمة وكيلة (Agentic Systems) تتطور بمرور الزمن، مع احتفاظها الكامل بملكيتها الفكرية ومعرفتها المؤسسية.
ينبغي أن تكون الشركة قادرة على استبدال أي نموذج ذكاء اصطناعي عام دون أن تفقد الخبرات المتراكمة التي اكتسبها نظامها الداخلي عبر السنوات. فهذه هي المحك الحقيقي للسيادة والتحكم في عصر الذكاء الاصطناعي.
على المؤسسات أن تحول إجراءات العمل، والمعرفة التخصصية، والخبرات المتراكمة، والأحكام المهنية التي بنتها عبر الزمن إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تتحسن مع كل استخدام. كما يجب أن تمتلك آليات تقييم خاصة بها تقيس مدى تحسن النماذج وفقًا للنتائج التي تهم الأعمال فعلًا، لا وفقًا لمعايير عامة خارجية فقط.
ويفترض كذلك أن تتوافر بيئات تعلم معززة خاصة تسمح للنماذج بالتطور اعتمادًا على البيانات والمسارات الواقعية الناتجة من داخل المؤسسة، بحيث تصبح المعرفة المؤسسية قابلة للاستدعاء والاستفادة، وأكثر كفاءة في الاستخدام.
هذه الحلقة المتواصلة من التعلم تصبح بحد ذاتها الأصل الفكري الجديد للمؤسسة. وأنا أتصورها كآلة تتسلق التلال باستمرار بحثًا عن مستويات أعلى من الأداء. وعلى عكس معظم الأصول التقليدية، فإن قيمتها تتضاعف مع الزمن. فكل تحسين في سير العمل يولد إشارات تعلم أفضل، وكل إشارة تعلم أفضل تسرّع تراكم المعرفة الضمنية الفريدة التي لا تمتلكها سوى تلك المؤسسة.
والشركات التي تنجح في بناء هذه الحلقة مبكرًا ستحقق ميزة تنافسية يصعب جدًا تقليدها، بغض النظر عن أي تطورات مستقبلية في قدرات النماذج نفسها.
إن آخر ما نريده هو عالم تتنازل فيه الشركات، في مختلف القطاعات، عن القيمة التي تنتجها لصالح عدد محدود من النماذج العملاقة التي تلتهم كل ما يقع ضمن نطاقها. فإذا تركزت القيمة الاقتصادية في أيدي عدد قليل من النماذج، فإن الاقتصاد السياسي للمجتمعات لن يقبل بذلك على المدى الطويل. فلا توجد شرعية اجتماعية لمستقبل يقوده الذكاء الاصطناعي على حساب تآكل قطاعات اقتصادية كاملة.
يكفي أن نتذكر ما حدث في الموجة الأولى من العولمة، حين أُفرغت اقتصادات صناعية كاملة من محتواها نتيجة نقل الأعمال إلى الخارج. قد تبدو مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي جيدة على الورق، لكن آثار الإقصاء الاقتصادي كانت حقيقية وما زلنا نعيش تبعاتها حتى اليوم.
ولذلك يجب ألا نكرر المشهد ذاته في عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث تستحوذ مجموعة صغيرة من الأنظمة الذكية على معظم العوائد الاقتصادية، بينما تتحول المعرفة المتراكمة داخل القطاعات المختلفة إلى سلعة عامة تفقد معها المؤسسات ميزتها وقيمتها.
من وجهة نظري، يجب أن يكون هدفنا بناء منظومة ريادية متكاملة للذكاء الاصطناعي، لا مجرد تطوير نموذج ريادي متفوق. منظومة تتوزع فيها القيمة على الشركات والقطاعات والدول كافة، وتتمكن فيها كل مؤسسة من امتلاك حلقة التعلم الخاصة بها، التي تحفظ معرفتها المؤسسية وتضاعف قيمة رأس مالها البشري والرقمي المعرفي معًا.
هذا هو النهج الذي أؤمن به؛ نهج تقوم فيه المنصات بتمكين الآخرين من خلق قيمة أكبر مما تحتفظ به لنفسها، وتمنح كل شركة القدرة على الابتكار المستمر وبناء مصادر قيمتها الخاصة.
وعندما يتحقق ذلك، ستتمكن المؤسسات من خلق قيمة لنفسها وللاقتصاد المحيط بها في الوقت نفسه. وسيجد الموظفون أن خبراتهم أصبحت أكثر تأثيرًا، وأن أحكامهم المهنية تحولت إلى أنظمة قابلة للتكرار والتوسع، فتنتقل فوائدها إلى الشركات والمجتمعات من حولهم.
هكذا تصنع المؤسسات القيمة لنفسها وللاقتصاد الأوسع. وهكذا نبني معًا حالة التوازن المستقرة التي ينبغي أن نسعى إليها في عصر الذكاء الاصطناعي.