مفهوم الابتكار

الوضع الليلي الوضع المضيء

بيتر دركر

هل يميل الابتكار أكثر إلى مفهوم الإلهام أم العمل الجاد؟ إذا اعتبرنا أن الابتكار هو عملية ايجاد مصدر للإلهام، فإن دور الإدارة محدود؛  بمعنى أن عليك توظيف من يستحق وإعطائه مساحة للإبداع في عمله. أما في حال وصف الابتكار بالعمل الجاد فيجب على الإدارة القيام بدور حيوي وفعال لتحديد الأدوار والأساليب المناسبة، ووضع أهداف واضحة يمكن قياسها، وتقييم عملية التقدم في كل خطوة. فيعتبر بيتر دراكر (Peter Drucker) الابتكار بكل ما تحمله علامته التجارية من دقة ودهاء أنه عمل جاد وإلهام في الوقت ذاته، حيث أنه يشير في هذه المقالة إلى أن الابتكار هو العمل الجاد الذي يمكن إدارته والتحكم به كأي مهمة  فعالة في الشركة. لكن هذا لا يعني أن الابتكار يشبه نشاطات الأعمال الأخرى، بل بالتأكيد يعني السعي للمعرفة وليس التطبيق فحسب.

يبرهن بيتر دراكر أن معظم أفكار الشركات المبتكرة تنشأ من خلال تحليل سبع مجالات لفرص الابتكار؛ بعضها يتعلق بصناعات أو شركات معينة والبعض الآخر يناسب اتجاهات اجتماعية أو سكانية أوسع. فيضمن المدير الذكي المحافظة على عمله عن طريق التركيز في المجالات جميعها. لكن يتطلب هذا التحليل ما هو أبعد من ذلك؛ فلا تزال تحتاج إلى إثارة المخيلة في الوقت المناسب أو ما يمكن تسميته "الإلهام الوظيفي".

على الرغم من الأحاديث المطولة حول " شخصية رائد الأعمال" فعدد قليل جدًا ممن عملت معهم خلال الثلاثين سنة الماضية يمتلكون هذه الشخصية، لكنني التقيت بعدد من الأفراد الذين يتميزون بشخصيات ريادية مثل مندوبي المبيعات والجراحين والصحفيين والعلماء وحتى الموسيقيين. على الرغم من أن امتلاك شخصية من نوع معين ليس هو ما يشترك فيه روّاد الأعمال الناجحين اللذين عرفتهم بل التزامهم بالممارسة المنهجية للابتكار.

يعتبر الابتكار مهمّة ريادة الأعمال سواء في الأعمال التجارية القائمة، أو مؤسسات الخدمة العامة، أو في مشروع جديد بدأه فرد وحيد في مطبخه في المنزل. إنه الوسيلة التي يمكن من خلالها لرائد الأعمال إنشاء موارد جديدة منتجة للثروة أو منح الموارد الموجودة إمكانات محسنة لاكتساب الثروة.

لا يوجد مفهوم واضح لريادة الأعمال في يومنا هذا؛ فيستخدم البعض هذا المصطلح للإشارة إلى الأعمال الصغيرة ويستخدمه البعض الآخر للإشارة إلى جميع الأعمال الجديدة وعمليًا ترتكز العديد من الشركات القوية على ريادة الأعمال الناجحة. فلا يشير هذا المصطلح إلى نوع معين من الأنشطة أو حجم المشاريع ومدتها،  بل يكمن معنى ريادة الأعمال في الابتكار وهو الجهد المبذول لإحداث تغيير هادف في الإمكانات الاقتصادية أو الاجتماعية للمؤسسة.

مصادر الابتكار

لا يمكن إنكار أن بعض الأفكار المبتكرة أساسها عبقرية مبتكرها بحيث تكون معظم الابتكارات الناجحة نتيجة بحث هادف وواعٍ عن فرص الابتكار، وقليلًا ما يحدث ذلك. يوجد أربع مصادر تولد من خلالها الفرص في شركة أو مجال معين وهي: الأحداث غير المتوقعة، والتعارض بين الواقع والمفترض، والاحتياجات العملية، والتغييرات في بنية الصناعة والسوق.
كما يوجد مصادر أخرى نجدها ضمن البيئة الفكرية والاجتماعية خارج الشركة وهي: التغييرات أو العوامل السكانية، وتبدّل الإدراك والرؤية، وأخيرًا المعرفة الجديدة.

صحيح أن هذه المصادر تتداخل على اختلافها في عدة أمور كطبيعة الخطورة والصعوبة والتعقيد، وقد تكمن إمكانية الابتكار في أكثر من مجال في وقت واحد إلّا أن جميعها تعتبر فرص عظيمة للابتكار.

١. الأحداث غير المتوقعة

تأمّل أولًا مصدر الابتكار الأسهل والأبسط وهو المصدر غير المتوقع. طوّرت شركة آي بي إم (IBM) في أوائل الثلاثينيات أول حاسب آلي حديث مصمم خصيصًا للبنوك، لكن لم تشتري البنوك أي آلة جديدة عام ١٩٣٣. وبحسب رواية مؤسس الشركة والمدير التنفيذي توماس واتسون (Thomas Watson) أن ما أنقذ الشركة هو استغلالها للنجاح غير المتوقع. حيث أقدمت مكتبة نيويورك العامة على شراء إحدى الآلات، فكانت المكتبات تهتم ببرامج “الصفقة الجديدة” على عكس البنوك واستطاع واتسون حينها بيع أكثر من مائة آلة من الآلات التي كانت غير قابلة للبيع للمكتبات.

بعد خمسة عشر عامًا، بدأت الشركات بالاهتمام بالآلات التي تساعدهم في إصدار كشوف الرواتب بشكل غير متوقع عندما صدّق الجميع أن الحواسيب صممت لغرض علمي متقدّم. فتم رفض طلبات الشركات من قبل يونيفاك (Univac) الذي كان أضخم حاسب، في حين أدركت شركة آي بي إم (IBM) إمكانية تحقيق نجاحًا غير متوقعًا وأعادت تصميم ما كانت آلة يونيفاك (Univac) في الأساس مصممة لأجله؛ أي للطلبات البسيطة مثل كشوف المرتبات وأصبحت خلال خمس سنوات رائدة في مجال الحواسيب بمكانة حافظت عليها إلى اليوم.

أما في سياق حدوث الفشل غير المتوقع ليكون مصدرًا مهماً لفرص الابتكار فجميعنا يعرف قصة الفشل الذريع لسيارة فورد إدسل (Ford Edsel)، لكن ما لا يعلمه الكثيرون أن الفشل هذا كان من أساسيات نجاحها لاحقاً. إذ خططت شركة فورد لسيارة إدسل التي تعتبر من أكثر السيارات المصممة بعناية حتى تلك اللحظة في تاريخ السيارات الأمريكية لإعطاء الشركة خط إنتاج كامل لتُنافس شركة جنرال موتورز(General Motors)، لكنها انفجرت بالرغم من التخطيط والبحث والدراسة في السوق والتصميم الدقيق. حينها أدركت شركة فورد (Ford) أن أمرًا ما يحدث في سوق السيارات يتعارض مع الافتراضات التي تعمل على أساسها شركة جنرال موتورز (General Motors) وغيرها في مجال تصميم وتسويق السيارات. بذلك لم يعد السوق مجزأً من قبل الفئات بناءً على مستوى الدخل، بل أصبح مبنيًا على ما نسميه الآن بأساليب الحياة. وردّت شركة فورد(Ford) بتصنيعها سيارة موستانغ التي ميّزتها وأعادت إثبات وجودها كشركة رائدة في هذا المجال.

لذلك يعتبر النجاح والفشل من مصادر الابتكار المنتجة لأن معظم الشركات لا تتقبّل ذلك وتتجاهله وحتى تستاء منه. ففي عام ١٩٠٥، قام العالِم الألماني بتركيب النوفوكايين أو “المخدر الموضعي” وهو أول مخدر غير مدمن ليستخدمه في العمليات الجراحية الرئيسية مثل البتر، لكن الجراحين فضّلوا (وما زالوا) استخدام التخدير الكلي لهذه العمليات. بينما كان أطباء الأسنان يجدونه مغريًا، في حين قضى مخترعه السنوات المتبقية من حياته يتنقل بين كليات طب الأسنان لإلقاء محادثات تمنع أطباء الأسنان من "إساءة استخدام" اختراعه النبيل في أمور أخرى غير ملائمة.

فما هذا إلا موضوعًا للسخرية يوضّح تصرفات المدراء اتجاه كل ما هو غير متوقع؛ ويكون هذا رد أنظمة تقارير الشركات: “كان يجب أن لا يحدث ذلك” لعدم أخذهم بالحسبان الاحتمالات غير المتوقعة.
تحتوي الصفحة الأولى من التقرير الشهري أو ربع السنوي النموذجي على قائمة بالمشاكل؛ أي المجالات التي تكون فيها النتائج أقل من التوقعات. إذ تساعد معرفة هذه المعلومات في منع تدهور الأداء، لكنها تمنع أيضًا إدراك وجود فرص جديدة. وينطبق الإقرار الأول بالفرصة المحتملة عادةً على مجال تحقق فيه الشركة أداءً أفضل من الميزانية. وبالتالي تحرص الأعمال الريادية الحقيقية على إنشاء "صفحتان رئيسيتان"، صفحة لعرض المشكلة وصفحة لعرض الفرصة وعلى المدراء قضاء وقت متساوي للعمل على كليهما.

٢. التعارض بين الواقع والمفترض

كان بيل كونر(Bill Conner) الشريك المؤسس لشركة آلكون لابرتوريز(Alcon Laboratories) السبب في استغلال التعارض بين الواقع والمفترض في التقنيات الطبية مما جعلها إحدى أبرز قصص النجاح في أوائل الستينات. وكانت عملية إعتام عدسة العين ثالث أو رابع عملية جراحية شائعة في العالم حين قام الأطباء على مدار الثلاثمائة عام الماضية بتنظيمها لدرجة أن قطع الأربطة هي الخطوة القديمة الوحيدة؛ إذ تعلّم جراحو العيون قطع الأربطة بنجاح، لكن كان هذا الإجراء غير متوافق و مختلفًا تمامًا عن بقية إجراءات العملية  فكانوا يخشونه في كثير من الأحيان بمعنى أنه كان إجراءً متعارضًا.

إضافة إلى ذلك، عرف الأطباء إنزيمًا لإزالة الأربطة دون اللجوء إلى القطع لمدة خمسين عامًا وكل ما فعله بيل كونر هو إضافة مادة حافظة على هذا الإنزيم ليزيد بضعة أشهر من فترة صلاحيته. ثم وافق جراحو العيون على الفور على المركب الجديد ووجدت شركة آلكون (Alcon) نفسها في موضع احتكارًا عالميًا واشترت شركة نستله (Nestlé) بعد خمسة عشر عامًا الشركة بسعرٍ عالٍ.

هكذا تأتي فرص الابتكار عند حدوث تعارض في منطق أو سلاسة العمليات، وأحد مصادرها أيضًا هو التعارض بين الحقائق الاقتصادية. من هذا القبيل مثال على ذلك، تعارض الحقائق الاقتصادية عندما يزدهر السوق في مجال معين بشكل منتظم ولكن هامش الربح يبقى منخفضًا كما حدث في صناعات الصلب في البلدان المتقدمة ما بين عام ١٩٥٠ و ١٩٧٠؛ فالاستجابة المبتكرة إذن هي مصانع صلب صغيرة فقط.

وأسهمَ التعارض بين ما هو متوقع والنتيجة وجود احتمالات للابتكار، فعملت شركات النقل البحري وصانعي السفن على مدى خمسين عامًا بجِّد لتصبح السفن أسرع وتستهلك وقود أقل. ومع هذا كان نجاحهم في ذلك يزيد من سوء اقتصاد سفن الشحن عبر المحيطات، فتدهور اقتصاد هذه الصناعة بحلول عام ١٩٥٠ أو ما يقارب ذلك.

الجدير بالذكر أن المشكلة الجوهرية تكمن في تعارض الواقع والافتراضات المتعلقة به؛ فلم تُنفق التكلفة الحقيقة على القيام بالعمل (وهي في هذا المثال العمل في البحر) بل على عدم القيام به (أي الجلوس غير المُجدي في الميناء). في هذه الحالة أصبح الابتكار واضحًا عندما أدرك المدراء كيفية قياس التكلفة الحقيقة؛ فابتكروا سفن الحاويات وسفن نقل السيارات والقطارات. علاوة على ذلك، طُبقت هذه الحلول التي انطوت على التقنيات القديمة ببساطة على سفن الشحن عبر المحيطات، كما تم تطبيقها من قبل سائقي الشاحنات والنقل بالسكك الحديدية على مدار ثلاثون عامًا. في النهاية، كان تغيير وجهة النظر وليس التقنيات سببًا في تغيير اقتصاد الشحن البحري بالكامل وتحويله إلى واحد من أكثر الصناعات الرئيسية ازدهارًا ما بين العشرين و الثلاثين عامًا الماضيين.

٣. الابتكار على أساس الحاجة

من خاض تجربة القيادة في اليابان يعلم أنها لا توفر نظام الطرق السريعة الحديثة، فما تزال الطرق فيها تتبع المسارات الموضوعة لعربات كانت تجرها الثيران في القرن العاشر. وكان السبب في امكانية استخدام هذا النظام  للسيارات والشاحنات هو التعديل على عاكس كان يُستخدم في الطرق الأمريكية السريعة منذ أوائل الثلاثينيات الذي يتيح لكل سيارة معرفة من أي اتجاه تقترب السيارات ضمن ستة اتجاهات. نتيجة لذلك كان هذا الاختراع الصغير فرصة للابتكار بسبب الحاجة إلى معالجة سلسلة من العمليات فأصبحت حركة المرور سلسلة ونسبة الحوادث متدنية.

كانت الحاجة سببًا لابتكار أهم الأمور التي جعلت عالم الإعلام يزدهر حوالي عام ١٨٩٠، أولها كان اختراع آلة لايونتايب (Linotype) من قِبل اوتمار مرجنتالر (Ottmar Mergenthaler) التي ساعدت في إنتاج الصحف بشكل أسرع وبمجلدات أكبر. أما الابتكار الآخر كان اجتماعيًا وهو الإعلان الحديث الذي اخترعه ناشرو الصحف الأوائل وهم: أدولف أوتشس (Adolph Ochs) من صحيفة نيويورك تايمز، وجوزيف بوليتزر(Joseph Pulitzer) من صحيفة  نيويورك وورلد، ووليام راندولف هيرست (William Randolph Hearst). حيث تمكّن كل منهم من توزيع الأخبار مجانًا من خلال الإعلانات و تحقيق الربح من التسويق.

٤. التغيرات في بنية الصناعة والسوق

إن بنية القطاعات تتغير بين عشية وضحاها وهذا ما لا يصدقه بعض المدراء ويعتقدون أن كل ما يخص هذا المجال هو حتمي وثابت؛ بل إن هذه التغييرات هي فرص كبرى للابتكار. مثال على أبرز قصص نجاح الشركات الأمريكية خلال العقود الأخيرة هي قصة نجاح المصرف الاستثماري دونالدسون، لوفكين آند جينريت (Donaldson, Lufkin & Jenrette) الذي استحوذ عليه مؤخرًا شركة إكويتابل لايف أشورانس سوسايتي (Equitable Life Assurance Society). أسس الشركة ثلاثة شبان من خريجو كلية هارفارد للأعمال في عام ١٩٦٠ الذين أدركوا أن بنية الصناعة المالية  تتغير مع سيطرة المستثمرين المؤسسيين عليها، فلم يكن لديهم أي رأس مال ولا علاقات. وأصبحت شركتهم في غضون بضع سنوات رائدة في الانتقال إلى اللجان التفاوض و وأحد الشركات المتميزة في وول ستريت الأولى في إدراجها وإعلانها للعامّة. 

أدت التغيرات في البنية الصناعية بنفس الطريقة على وجود فرص ابتكار ضخمة لمقدمي الرعاية الصحية الأمريكية، فتم افتتاح عيادات مستقلة للجراحة والطب النفسي ومراكز للطوارئ ومنظمات الحفاظ على الصحة (HMO) في جميع أنحاء البلاد خلال العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية. تلت الثورات الصناعية  فرص مشابهة لتوسيع  قطاع الاتصال عن بُعد في مجالين هما: مجال البث، مع ظهور خدمات الاتصالات ضمن مسافات طويلة مثل شركة إم سي أي (MCI) وشركة سبرنت (Sprint)، وفي مجال المعدات تحديدًا في تصنيع بورصات الفروع الخاصة وظهور شركات مثل رولم (Rolm).

تتغير بنية القطاعات عندما تزدهر وتتطور سريعًا ( في حدود نسبة ٤٠٪ خلال عشر سنوات أو أقل) ويبدو أن الشركات التجارية القائمة التي تدافع عما تملكه لا تشن أي هجوم على المنافسين الجدد. كما أنه عندما تتغير بنية السوق أو الصناعة يهمل روّادها التقليديون مرارًا وتكرارًا قطاعات السوق الأسرع نموًا. لذلك نادرًا ما تناسب الفرص الجديدة أسلوب القطاع المعتادة في دخول السوق وتعريفه وتنظيمه وخدمته وبالتالي يقع المبتكرين ضمن احتمال تركهم بمفردهم لفترة طويلة.

٥. العوامل السكانية

تعتبر العوامل السكانية أكثر مصادر الابتكار التي يمكن الاعتماد عليها، فحصل حدث ديموغرافي في فترة زمنية مثل أن كل شخص سيكون في القوى العاملة الأمريكية بحلول عام ٢٠٠٠ قد ولد بالفعل. وبينما يتجاهل صنّاع السياسات العوامل السكانية يراقبها آخرون ويستفيدون منها  لتحقيق الأرباح.

تعتبر اليابان من الدول المتقدمة في علم الروبوتيات لأخذها بعين الاعتبار العوامل السكانية؛ فقد علم الجميع في الدول المتقدمة عام ١٩٧٠ أنه سيحدث ارتفاعًا كبيرًا في نسبة التعليم وانخفاض ملحوظ في معدل المواليد؛ كان حوالي نصف الشباب أو أكثر يقيمون في الجامعات بعد المدرسة الثانوية. بناءً على ذلك، فإن عدد الأشخاص المتاحين للعمل التقليدي في التصنيع كان سينخفض حتميًا ويصبح غير كافٍ بحلول عام ١٩٩٠. وبالرغم من معرفة الجميع بذلك إلا أن اليابانيين فقط من أحسن التصرف واحتلال الصدارة لمدة عشر سنوات في مجال الروبوتات.

حدث ذات الأمر ضمن قطاع السفر والمنتجعات نحو نجاح شركة كلوب ميديتيراني (Club Mediterranee)، ففي عام ١٩٧٠ شهد أفراد أذكياء ظهور أعداد كبيرة من الشباب الأثرياء والمتعلمين في أوروبا والولايات المتحدة. لم تُعجب هؤلاء الشباب العطلات التي استمتع بها آباؤهم من الطبقة العاملة أي أسابيع الصيف في برايتون أو أتلانتيك سيتي، وكان هؤلاء الشباب عملاء مثاليين لنسخة جديدة من التوّجه إلى "الأماكن السياحية" الجديدة.

أدرك المدراء لوقت طويل أهمية العوامل السكانية لكنهم طالما اعتقدوا أن الإحصائيات السكانية تتغير ببُطئ على عكس ما يعتقدون الآن في هذا القرن، فإن هذه التحولات التي تطرأ على السكان وحجمهم وهيكل أعمارهم وتوزيعهم حسب العمل ومستوى التعليم والدخل تأتي بتغيرات تمثل فرصًا من أجل الابتكار وإنشاء أسواق وقطاعات تجارية جديدة بأقل نسبة خطورة ممكنة.

٦. تبدّل الإدراك والرؤية

يعلم الجميع أن العبارات التالية تصف نفس الظاهرة لكن بمعانٍ مختلفة: " النصف الممتلئ من الكأس" و"النصف الفارغ من الكأس"، فيمكن لتبدل إدراك الأفراد ورؤيتهم أن يحمل معه فرصًا عظيمة للابتكار. مثالًا على ذلك: إشارة جميع الأدلة الواقعية إلى تحسن صحة الأمريكيين بسرعة غير مسبوقة خلال العشرين عامًا الماضية بما يتضمن ذلك معدلات الوفيات لحديثي الولادة، ومعدلات البقاء على قيد الحياة لكبار السن، والإصابة بالسرطانات (بخلاف سرطان الرئة)، ومعدلات علاج السرطان، أو عوامل أخرى. على الرغم من ذلك أصبحوا يعانون من اضطراب التوهم المرضي. كما لم يسبق أن يزداد القلق أو الخوف على الصحة؛ بدا لهم فجأة أن كل شيء يسبب السرطان أو أمراض القلب التنكسية أو فقدان الذاكرة قبل الأوان. أليس من الواضح أنهم ينظرون إلى النصف الفارغ من الكأس!

يؤكد الأمريكيون كم هم بعيدون عن الخلود بدلًا من الاستمتاع بالتطورات الصحية التي يحظون بها، مما خلق فرصًا للابتكار بسبب الطريقة التي يحكمون بها على الأمور، مثل: أسواق لمجلات الرعاية الصحية الجديدة، وحصص التمارين، والأجهزة الرياضية، وجميع أنواع الأطعمة الصحية. وكان من الأعمال التجارية الجديدة الأسرع نموًا في الولايات المتحدة عام ١٩٨٣ هي شركة تصنيع أجهزة رياضية داخلية.

لا يغير تبدّل الإدراك والرؤية الحقائق بل يغير معناها وبسرعة كبيرة؛ فاستغرق تغيير فكرة اعتبار جهاز الحاسوب من تهديدًا تستخدمه فقط الشركات الكبرى إلى أنه جهاز يمكن لأي شخص شرائه للعمل على ضريبة الدخل أقل من سنتان. في الواقع، لا يفرض الاقتصاد بالضرورة مثل هذا التغيير، فما يحدد ما إذا كان الناس يرون النصف الممتلئ أو الفارغ هو المزاج وليس الحقائق. والتغيير في المزاج غالبًا ما يتحدى القياس الكمي، ولا غرابة في ذلك فإنه ملموس ويمكن تحديده واختباره وبناء على ذلك استغلال الفرصة للابتكار.

٧. المعرفة الجديدة

يمثل الابتكار القائم على المعرفة بكل تجلياتها العلمية والتقنية والاجتماعية مصدرًا عظيماً للإتيان بالأفكار والمنتجات والخدمات والمشاريع الجديدة. كما يختلف هذا النوع عن غيره في الوقت الذي يستغرقه، وتوقعاته، وتحدياته التي تواجه روّاد الأعمال. من الممكن أن يكون ذو مزاج وتقلبات خاصة ويصعب توجيهها كأي نوع متميز وتتم خلال سبق زمني أطول من أي ابتكار آخر؛ فهناك فترة طويلة بين ظهور المعرفة الجديدة وتطبيقها في التقنيات، ومن بعدها فترة طويلة أخرى قبل ظهور هذه التقنية الجديدة في السوق ضمن المنتجات والعمليات والخدمات، فإن المهلة المعنية هي ما يقارب الخمسون عامًا وهو رقم لم يتغير عبر التاريخ.

الابتكار القائم على المعرفة ذو مزاج وتقلبات خاصة ويصعب توجيهه

يتطلب هذا النوع من الابتكار المعرفة في أكثر من مجال واحد. تأمل هذا المثال عن إحدى الابتكارات الفعالة القائمة على المعرفة وهو المصارف الحديثة. إذ قام الكونت دي سان سيمون (Comte de Saint-Simon) في عهد نابليون بصياغة نظرية المصارف الريادية التي تعني الاستخدام الهادف لرأس المال لتشغيل التنمية الاقتصادية. إلا أنه بعد مرور ثلاثون ​​عامًا على وفاته في عام ١٨٢٥ قام اثنان من تلاميذه الإخوان يعقوب وإسحاق بيريير (Jacob and Isaac Pereire) بتأسيس مصرف كريدي موبيليه (Credit Mobilier) وهو أول مصرف استثماري، كما استهلّوا الحديث حول ما يسمى الآن الرأسمالية المالية.

لم يكن يعلم الأخوين بيريير عن المصارف التجارية التي تطورت في نفس الوقت في إنجلترا، وباء اختراعهم بالفشل الذريع. وبعد بضع سنوات، قام الأمريكي جي بي مورغان (J.P. Morgan) والألماني جورج سيمنز (Georg Siemens) بوضع النظرية الفرنسية للأعمال المصرفية للأعمال الحرة والنظرية الإنجليزية للأعمال المصرفية التجارية لإنشاء أول البنوك الحديثة الناجحة: جي بي مورغان آند كومباني (J.P. Morgan & Company) في نيويورك ، وبنك دويتشه (Deutsche) في برلين. أما بعد عشر سنوات قام الياباني شيبوساوا إيتشي (Shibusawa Eiichi) بتكييف مفهوم جورج سيمنز مع بلاده وبالتالي وضع أساس الاقتصاد الياباني الحديث. وأخيرًا فهذه هي الطريقة التي يعتمد عليها الابتكار القائم على المعرفة دائمًا.

ومن هذا القبيل مثال على ذلك، يتطلب الابتكار في الحاسوب ليس أقل من ستة فروع معرفية منفصلة هي:

  • نظام الحساب الثنائي
  • مفهوم تشارلز بابيج (Charles Babbage)  لأول حاسب آلي خلال الخمسينيات من القرن التاسع عشر
  • البطاقة المثقبة التي اخترعها هيرمان هولليريث (Herman Hollerith) لجدولة الإحصائيات في الولايات المتحدة لعام ١٨٩٠
  • الأوديون وهو محوّل إلكتروني اخترع عام ١٩٠٦
  • المنطق رمزي الذي تم تطويره بين عامي ١٩١٠ و ١٩١٣ من قبل برتراند راسل (Bertrand Russell) وألفريد نورث وايتهيد (Alfred North Whitehead)
  • مفاهيم البرمجة والتغذية الراجعة التي فشلت خلال الحرب العالمية الأولى لتطوير بنادق مضادة للطائرات

والجدير بالذكر أنه لم يظهر أول حاسوب رقمي تشغيلي حتى عام ١٩٤٦ على الرغم من توفر جميع المعارف اللازمة منذ عام ١٩١٨. ويمكن تفسير طول السبق الزمني والحاجة إلى التقارب بين أنواع المعرفة المختلفة نوعية وعوامل الابتكار القائم على المعرفة والمخاطر بحيث يكون الكلام أكثر من العمل وعندما تتقارب جميع العناصر فجأة يبدأ الحماس والنشاط.

تم تأسيس ما يقارب الألف شركة للأجهزة الكهربائية في البلدان المتقدمة بين عامي ١٨٨٠ ١٨٩٠ ثم تدهورت كما هو الحال دائمًا. أما بحلول عام ١٩١٤ بقي فقط خمس وعشرون شركة. في أوائل عشرينيات القرن العشرين كانت هناك ٣٠٠ إلى ٥٠٠ شركة سيارات في الولايات المتحدة وبحلول عام ١٩٦٠ وبقي أربعة منهم فقط.

قد يكون الابتكار القائم على المعرفة صعبًا لكن من الممكن السيطرة عليه فيتطلب النجاح تحليلًا دقيقًا حول المعارف المطلوبة. وبالعودة إلى جي بي مورغان (J.P. Morgan) وجورج سيمن  (Georg Siemens) فقد قاما بذلك عند إنشاء مشاريعهم المصرفية. كما قام بذلك أيضًا الأخوان رايت(The Wright brothers) عندما قاما بتطوير أول طائرة.

من الضروري أيضًا إجراء تحليل دقيق لاحتياجات وقدرات المستخدم المستهدف؛ فيعتمد الابتكار القائم على المعرفة على السوق أكثر من أي نوع آخر من الابتكار.
قامت الشركة البريطانية دي هافيلاند للطائرات (De Havilland) بتصميم وبناء أول طائرة ركاب لكنها لم تقم بتحليل ما يحتاجه السوق وبالتالي لم تحدد أهم عاملين رئيسيين. الأول هو التكوين.. أي الحجم الصحيح مع الحمولة الصحيحة للطرق، والعامل الثاني وهو سعر الطائرة باهظة الثمن. ولهذا السبب استولت الشركتان أمريكيتان بوينج(Boeing) ودوغلاس (Douglas) على صناعة الطائرات النفاثة التجارية.

مبادئ الابتكار

يبدأ الابتكار الهادف ضمن إطار منهجي بتحليل مصادر الفرص الجديدة جميعها؛ مع مراعاة نسبة أهمية المصادر تختلف مع اختلاف الزمان. على سبيل المثال،  قد لا تكون العوامل السكانية  ذات أهمية كبيرة للمبتكرين في قطاع العمليات الصناعية الأساسية مثل صناعة الصلب، فعلى الرغم من أن آلة لايونتايب أصبحت ناجحة في المقام الأول لأنه لم يكن هناك ما يكفي من آلات الطباعة المتاحة لتلبية حاجة الأسواق الضخمة. في حين أنه قد لا تكون المعرفة الجديدة ذات صلة لمن يبتكر أداة اجتماعية لتلبية حاجة سببها تغيير عدد السكان أو قوانين الضرائب، لذلك يتوجب على المبتكر تحليل مصادر الفرص في جميع الحالات.

علاوةً على ذلك، على المبتكر أن يكون نشيطًا، يطرح الأسئلة ويتقن الاستماع، بما أن الابتكار يحمل الصفة المفاهيمية والإدراكية. لذا فإن المبتكر الناجح يفعل كل شيء في سبيل تحليل الفرص بدقة ثم يدرس احتياجات المستخدمين المحتملين وتوقعاتهم وقيمهم، حتى الابتكار الذي يجلب مستخدمين جدد وأسواق جديدة يجب أن يكون محدد وواضح ومصمم بعناية. ومن الأفضل أن يكون هدف الابتكار واحد بسيط ومحدد كي لا يتشوّش الآخرين. فما أعظم أن يقولون: "هذا واضح! لماذا لم أفكر في ذلك؟ هذا الأمر في غاية البساطة!".

يبدأ الابتكار ضمن نطاق ضيق عادةً بشكل بسيط غير مبالغ فيه؛ فقد يكون لتمكين مركبة متحركة من استخلاص الطاقة الكهربائية أثناء سيرها، وهو الابتكار الذي جعل عربة الترام الكهربائي ممكناً، أو قد تكون الفكرة الأولية في وضع نفس العدد من التطابقات في علبة الثقاب (كانت ٥٠ تقريبًا) وببساطة هذا المفهوم تلقائيًا استطاع السويديين تحقيق احتكارًا عالميًا في القطاع لمدة نصف قرن. على النقيض من ذلك، من غير المرجح أن تعمل الأفكار العظيمة للأشياء التي "ستحدث ثورة في الصناعة".

في الحقيقة، لن يستطيع أي شخص معرفة إذا سيكون الابتكار عملًا كبيرًا ضخمًا أم إنجازًا بسيطًا؛ فالهدف الأساسي من الابتكار الناجح هو تحديد مجالات جديدة في التقنية أو في قطاع جديد لإنشاء شركة تبقى في المقدمة دومًا. أما في حال لم يهدف الابتكار إلى القيادة منذ البداية فمن غير المحتمل أن يكون مبتكرًا بما فيه الكفاية، وفي المقام الأول الابتكار هو العمل الجاد وليس العبقرية ويتطلب براعة وتركيزًا عاليًا.

من الواضح أن هناك أشخاصًا مبدعين وموهوبين أكثر من غيرهم لكن مواهبهم تكمن في مجالات محددة جدًا؛ ونادرًا ما يعمل المبتكرون في أكثر من مجال. مثالًا على ذلك إنجازات توماس إديسون (Thomas Edison) المبتكرة المنهجية الذي عمل في المجال الكهربائي فقط. ومثالًا أخير في المجالات المالية كسيتي بنك (Citibank) الذي لن يقدم الابتكارات في مجال الرعاية الصحية.

أهم ما يتطلبه الابتكار هو التركيز؛ بجانب المصادر الأخرى كالمعرفة والإبداع.

في النهاية، يتوّهج الابتكار بوجود الموهبة والإبداع والمعرفة مع التنفيذ والعمل الجاد والهادف بكل تركيز؛ فإن لم يكن لدى الفرد الهمّة العالية والالتزام والمثابرة فليس هناك جدوى من الموهبة أو المعرفة على حد سواء. وهناك عدّة أمور أخرى متعلقة بريادة الأعمال إلى جانب الابتكار المنهجي التي تحتاجها المؤسسات القائمة ومنظمات الخدمة العامة  والمشاريع الجديدة؛ مثل استراتيجيات ريادة الأعمال ومبادئ إدارتها. لكن يبقى تطبيق الابتكار المنهجي هو أساس ريادة الأعمال.

المصدر: Harvard Business Review

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *